كتابات اقتصادية

ايجابيات البنوك المركزية!

ان النظريات المالية العالمية لا تنطبق على البلدان النامية خصوصاً فيما يتعلق بدور البنوك المركزية في الاسواق الناشئة واستقلاليتها في مجال السياسة النقدية والمصرفية لقد طرح مفهوم أستقلالية المصارف المركزية في أكثر من لقاء ومناسبة في الدول المتقدمة والصناعية بعد الازمات المالية المتلاحقة والتي عصفت وتعصف بالعالم وبعد الارتفاع الكبير في مستوى التضخم مما أدى الى البحث عن دور المصارف المركزية في الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة ومستقرة وهو مالا يخفى على واضعي السياسات الاقتصادية والنقدية إلاّ انه بمقدار ما تكون البنوك المركزية مستقلة بقدر ما تكون مشاكل التضخم اخف واقل وطأة ويعلم واضعي السياسة النقدية والمالية بان هناك دراسات تناولت البنوك المركزية الغير مستقلة في دول نامية عدة ومختلفة اظهرت العكس حيث انها تتمتع بمعدلات تضخم منخفضة وفي اعتقادي فان اختلاف البنية الاقتصادية والمالية والمصرفية وصغر حجم الاسواق المحلية وقلة الشفافية والافصاح تفرض على المصارف المركزية التركيز على أولويات اخري اشد الحاحاً ومن هنا ومن خلال هذا المنبر اجد ان هناك تطورات متلاحقة في اهداف ووظائف البنوك المركزية واخص بالذكر البنك المركزي اليمني بصفة خاصة والبنوك المركزية العربية بصفة عادية فعلى مر الاعوام ومع تقدم الاوضاع النقدية والمصرفية والمالية المحلية والاقليمية والدولية فقد استقلت بنوكنا المركزية من التركيز على شؤون أصدار النقد وتطوير القطاع المصرفي والمالي الى تعزيز التشريعات والانظمة المصرفية ومن ثم الى مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار العملات المحلية وتحويل التركيز الى مساعدة الحكومات على إدارة الدين العام واصدار السندات لتمويل عجز الموازنة وتحديث انظمة المقاصة والدفع والاجراءات المتعلقة بها والعمل على تطبيق المعايير المحاسبية والرقابية الى معايير لجنة بازل الى قوانين مكافحة غيسل الاموال وتمويل الارهاب وقد حلت البنوك المركزية في اغلب بلدان العالم مكان مؤسسات النقد التي كانت تنحصر مهماتها في اصدار النقد إلا ان التطور المستمر لدور البنوك المركزية في الدول التي كانت تعتمد على الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية والتي كانت قائمة الى درجة كبيرة على تنفيذ سياسات الحكومات الى جانب إدارة الاحتياجات بالعملات الاجنبية نظراً لتطبيق هذه البلدان قيوداً على تحويل الرساميل وبالتالي فان التحول التي شهدته هذه الدول نحو اقتصاديات السوق أدى الى تغييرات اكبر على مستوى البنوك المركزية وسياساتها النقدية من الدول الاخرى التي كانت اصلاً تتبع النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ولو نظرنا الى البنك المركزي اليمني بصفة خاصة والبنوك المركزية العربية نجد ان هناك تقارباً متزايداً في أدوارها ووظائفها الاساسية مع اعتماد معظمها المعايير الدولية في الرقابة والاشراف وفرض القواعد المصرفية الحديثة بالنسبة لاعمال المصارف والمؤسسات المالية وانظمتها وتطبيق القوانين والتشريعات الجديدة لا سيما في مجال مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب كما انها طورت انتظمتها وبنيتها الداخلية لتواكب التطورات السريعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من جهة واتجاهات العمل المالي والمصرفي من جهة اخرى لكن يوجد اختلاف بين دولة واخرى من حيث البنية الاقتصادية والانظمة المطبقة وتباين درجة الانفتاح وتفاوت مستوى الدخل ففي الدول الخليجية نجد ان الدور النقدي للبنوك المركزية محدودة نسبياً بسبب ربط عملات هذه الدول بالدولار الامريكي وربط معدلات الفائدة على العملات المحلية الى درجة كبيرة بمعدلات الفائدة على الدولار.
ومن هنا يتضح ان جزءاً كبيراً من معايير الاستقلالية لا تنطبق عليها رغم ان البنوك المركزية الخليجية تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية باتباعها اسلوب تحديد موازناتها السنوية والاشراف على القطاع المالي والمصرفي.
ومماتقدم ومن خلال خبرتي المالية والاقتصادية والمصرفية الممتدة الى ثلاثة وثلاثون عاماً أجد أنه كلما تطورت التقنيات والادوات المالية والنقدية والمصرفية في السوق المحلية كلما زاد التخصص والعمق واتسعت حرية البنوك المركزية في اختيار وسائل تطبيق السياسة النقدية وتحديد الاثر المترتب على هذه السياسة كما ان التقدم ونمو القطاع المالي والمصرفي في الدول عموماً وتزايد المنافسة بين المصارف وتطور القوانين والتشريعات الدولية واتساع متطلباتها اصبح من المتطلب من البنوك المركزية جهوداً إضافية لمواكبة التطورات المتتالية والحديثة في القطاع المالي والمصرفي بما يساعد المصارف والمؤسسات المالية المحلية على الالتزام بالمعايير الدولية التي تزداد أهميتها لحظة بلحظة في ضوء اتجاه الاسواق المصرفية والمالية نحو المزيد من التحرر والانفتاح ومن هنا تأتي اهمية تعزيز الدورالتنظيمي والاشرافي والرقابي لبنكنا المركزي اليمني بصفة خاصة والبنوك المركزية العربية بصفة عامة الذي من شأنه الحفاظ على سلامة واستقرار القطاع النقدي والمصرفي اليمني والعربي باعتباره هدفاً  مطلوباً لمنح المزيد من الاستقلالية في السياسة النقدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock