تقارير اقتصادية

المياه في اليمن : زيادة طلب .. وإدارة عشوائية (1-2)

عندما يفرط الإنسان في أنانيته فإن ضرر سلوكه هذا لا يقتصر على الآخرين، وإنما يلحق الأذى بنفسه أيضا وبأقرب المقربين إليه.. ولسنا هنا بصدد تأكيد ذلك بالأمثلة العديدة .. ولكن يكفي فقط النظرلماجرى   للمياه الجوفية التي سحبت بشكل مفرط من قبل المستخدمين  وبالذات في قطاع الزراعة وبطريقة التنافس المحموم دون وعي، والغاية كانت فقط السعي وراء تحقيق الأرباح المادية.
وحتى الجهات المعنية ظلت لفترة طويلة في غيبوبة من أمرها،وإن استفاقت بين حين وآخر لتطلق التحذيرات من خطورة نضوب الأحواض المائية في ظل هذا الضخ الجائر لكنها لم تتدخل بشكل فعال للحد من خطورة الوضع المتفاقم، وإن بدت تظهر اهتماما بالقوانين والتشريعات غير أن ما

صدرت من تلك القوانين وخاصة من منتصف السبعينيات وحتى أواخر التسعينيات من القرن العشرين افتقدت للتطبيق الفاعل والرقابة الحاسمة وهذا ما عكس ضعف إدارة هذا القطاع وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية في رفع وتيرة الأزمة المائية في الكثير من الأحواض وساهمت في الانجرار لتنفيذ مشاريع مائية بطريقة عشوائية وزيادة فاقد المياه،وظلت المياه ثروة مهدرة دون أي قيمة.
ومما يعاب على الطريقة التي أديرت بها المياه خلال الفترة الماضية تشتت الصلاحيات والاختصاصات والمسؤوليات بين أكثر من قطاع.
فقبل عام 1995م كانت هناك الكثير من الجهات تتنازع إدارة المياه مما أضعف مستوى التقييم والتخطيط والافتقار إلى وضع أولويات تنسجم مع ظروف شح الموارد المائية والجدوى الاقتصادية لاستخداماتها وبما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان ويمنع تدهورها الكمي والنوعي، ولذلك ارتبط تشريح الأزمة المائية في اليمن خلال الفترة الماضية بهشاشة المنظومة المؤسسية والتشريعية للقطاع، وضعف الأداء المهني، وقصور الرقابة وتطبيق الأنظمة، وإهمال المشاركة الشعبية في تمويل إدارة وصيانة مشاريع المياه، فضلا عن عدم اكتمال الدراسات والمعلومات اللازمة وشحة مصادر التمويل، وتقف هذه العوامل عائقا أمام رفع كفاءة وترشيد استخدامات المياه وتقييم الوضع الفعلي للعرض والطلب على المياه، كما إن التركيز على الطلب كان لا يقتصر على الإدارة الحكومية بل يتعداها إلى الإدارة الفردية ومشاريع القطاع الخاص، بسبب مجانية استخدام مصادر المياه، وانعكس هذا القصور والأداء الضعيف للقطاع وبصورة أكثر وضوحا في تدني كفاءة الري من 35%–40 % وارتفاع فاقد خدمات إمداد وتزويد مياه الشرب إلى حوالي 31%.
وقد ظلت المياه تدار وفق مفاهيم مغلوطة،فقد نشأت حقوق المياه التقليدية – أصلا – للانتفاع بالمياه للأغراض المحددة لها سواء الزراعية أو المنزلية مع الحفاظ على مبدأ ملكيتها العامة، غير أنها ومع مرور الزمن أصبحت ملكية فردية أو أسرية متوارثة، وصاحب تتابع الأجيال تكرار تقاسم مصادرها على الورثة تبعاً لتقاسم الحيازات الزراعية، إلى درجة أن بعضها لم تعد تلبي حاجة الشرب، وأصبح التسابق بين حقوق الري وحاجات الشرب والاستخدامات المنزلية مثار نزاعات وخصوصا في المناطق التي تعاني الندرة. كما أن معظم تلك الحقوق لم تعد تتجاوب مع أهمية تخصيص المياه لمواجهة الاحتياجات الأساسية، وحد هذا الوضع من قدرة الدولة على توجيه استخدامات المياه للأغراض الأكثر نفعاً للمجتمع.
إن الخنوع لإدارة المياه بالأساليب التقليدية المغلوطة حيد دور القوانين المائية وإن كانت متواضعة في السابق وقيد أي خطوات لمعالجة أزمة المياه من منظور علمي ومخطط رغم ما بذلت من جهود في إطار أنجاز العديد من الدراسات المهمة والبحثية والإرشادية وإنشاء شبكة للرصد المناخي والمائي في عدد من المناطق بحيث أصبح بالإمكان الحديث عن حصيلة طيبة من المعلومات المائية شكلت قاعدة أولية لإدارة وتخطيط الموارد المائية على مستوى الوطن، إلا أنها برغم ذلك بقيت هذه الإمكانيات مبعثرة ومتناثرة بحيث لا تمكن أحدا من الاستفادة منها والاعتماد عليها بشكل كاف في رسم سياسات وطنية موفقة لتجاوز الوضع الحرج الذي وصلت إليه حالة الموارد المائية في اليمن.
حتى وقت قريب كان هناك العديد من الجهات تعمل في استخراج وتوزيع المياه واستغلال مصادرها ومنها المؤسسات والهيئات العامة وشركات المياه الأهلية، وكذلك وزارة الزراعة والري والاتحاد التعاوني الزراعي ووزارة النفط وهيئة الاستكشافات المعدنية. وقد أدى تعدد الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص في استغلال هذه المصادر إلى :
ممارسات في حفر الآبار مما أدى إلى نضوب الكثير من مصادر المياه.
وفي المجال المؤسسي لقطاع المياه فقد ظل  في السابق دون مؤسسة ناظمة، فالجهات المستخدمة هي نفسها التي كانت تمارس مهام الإدارة والتخطيط والرقابة, إضافة إلى ذلك فإن مفهوم الإدارة والتخطيط  يأخذ دوره ولم يتبلور بشكل واضح واستمر الخلط المؤسسي قائما حتى أنشئت الهيئة العامة للموارد المائية عام 1995م كجهة مسئولة عن الإدارة والتخطيط والرقابة والتشريع لقطاع المياه.
ويمكن القول بأنه وطيلة الفترة السابقة منذ إنشاء الهيئة العامة للموارد المائية تم ترسيخ وتكريس مفاهيم استخدام المياه على حساب مفاهيم الإدارة مما شكل عبئا كبيرا على الهيئة .
كما أن القصور الذي اعترى جوانب السياسات والتشريعات المائية والتخطيط نتج عنه مشاكل ومعوقات أبرزها تعدد الجهات التي تتعامل مع مصادر المياه من منطلق قطاعي وضعف الجوانب المؤسسية والإدارية كما أن هذا التشتت أسهم ضمن عوامل أخرى في تعثر برامج التنمية.
كما أن إخفاقات وسلبيات متنوعة رافقت عملية النمو وتضارب الأولويات في الجهود المبذولة ولم يتم التفكير الجدي بالموارد المائية إلى أن برزت كمشكلة اقتصادية واجتماعية وبيئية تكاد أن تقف أمام استمرار النمو وعملية التنمية.
لقد أدى تزايد الطلب على المياه بشكل عشوائي وعدم ترشيد استخدامها واشتداد الضغط على مصادرها إلى خلل واضح في الموازنة المائية لمعظم الأحواض  الأمر الذي يهدد ليس فقط مسار التنمية في المستقبل و أنما يهدد أيضا ما تم إنجازه حتى الآن.
* عن صفحة المياة والبيئة – يومية الثورة الرسمية

 

المياه في اليمن : زيادة طلب .. وادارة عشوائية (2 – 2)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock