تقارير اقتصادية

نائب رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية بأمانة العاصمة محمد محمد صلاح.. يعرض رؤية القطاع الخاص للأمن الغذائي (1-2)

تتردد مؤخراً أنباء مأساوية عن أزمة اقتصادية بالغة الخطورة أثارت أبشع صور القلق والتوتر وأثارت توجسات قادة الاقتصاد العالمي أيضاً، فيما ما تزال بعض القيادات الاقتصادية والمحلية تتجاهل حقيقة هذه الأزمة المتوحشة وتنكر وجود أي متغيرات عالمية تتسبب في النقص الحاد للمواد الغذائية وغليان أسعارها التي تصاعدت مؤخراً بشكل غير مألوف في ظل ما يعيشه العالم العربي من أحداث انطلاقاً من تونس ومصر ثم ليبيا وما يجري في الجزائر وإيران واليمن، التي اشتعلت شوارعها بعنف الشغب الشعبي ضد حكوماتها فجأة ودون سابق إنذار، لتشكل هذه الأحداث سبباً إضافياً لرفع الأسعار.
ونحن في هذا السياق، نثمن تثميناً عالياً استشعار معالي الأخ وزير الصناعة والتجارة المهندس/ هشام شرف، هذه الأزمة والنزول الميداني لمراقبة الأسعار في السوق المحلية وتأكيده على التعاون مع القطاع الخاص في مراقبة الأسعار ومحاصرة أي تحايل أو غش أو تلاعب في السلع، قد يلحق بالغ الضرر بالسوق المحلية والمجتمع الاستهلاكي اليمني، ونحن في القطاع التجاري نؤكد أننا على أتم الاستعداد للتعاون مع معاليه في إنزال العقاب الصارم في حق كل من يحاول المساس بالأمن الغذائي أويتلاعب بالاستقرار السعري أوغش المجتمع الاستهلاكي في بلادنا، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم “من غشنا فليس منا “.
وبناء عليه، نرى أنه من الأهمية بمكان أن نقدم رؤيتنا حول الأمن الغذائي ونوضح حقيقة هذه الازمة التي أشعلت شوارع مدن العالم وخاصةً في دول العالم النامي، بمظاهر العنف والشغب الشعبي احتجاجا على سياسات ومواقف حكومات تلك الدول إزاء تقليص الدول المنتجة الرئيسية للمواد الغذائية في العالم، صادراتها من هذه المواد، في إجراء احترازي يؤمن احتياطي غذائي لسد الاحتياجات المعيشية لمواطنيها، فيما يعتبر هذا الإجراء بالنسبة لشعوب العالم احد أهم أسباب تفاقم أزمة النقص الحاد في الإنتاج الغذائي وبالتالي رفع أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي أثرعلى اقتصاد الأسرة في أنحاء العالم ومنها بلادنا التي تعتمد كليا على الواردات السلعية لتغطية الاحتياجات السكانية من السلع والخدمات التي تعجز عن إنتاجها محلياً، الأمر الذي يتطلب رؤية شاملة ومستنيرة من قبل أجهزة ومؤسسات الدولة لاتخاذ الإجراءات الضرورية الكفيلة بامتصاص تلك الآثار ومواجهة التهديدات الناجمة عن تلك الأزمات الاقتصادية المتواردة التي تلاحقنا بين الحين والآخر.
وندرك أن مهمة تشخيص متطلبات الشعب واستيعاب الوضع الاقتصادي المحلي استيعاباً سليماً، مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة إذا ما تعاملنا مع شروط أدائها من كفاءة ومعرفة اقتصادية عميقة وعملنا بحسب المنهجية الاقتصادية التي تشهد بنجاحها النماذج الاستثمارية الناجحة على مستوى العالم، فخارطة الاستثمار العالمية تعكس واقع الالتزام بالتعامل الحضاري مع المستثمرين والتعاطي الايجابي مع القطاعات الاقتصادية وفق قواعد استثمارية ملتزمة بالتخطيط العلمي الممنهج بعيد المدى، انطلاقاً من الإدراك الراسخ لأهمية النشاط الاستثماري في الدفع بعجلة التنمية الشاملة وفتح فضاءات رحبة للنهوض الاقتصادي بالارتكاز على التنمية البشرية وتقليص نسب البطالة وبالتالي الحد من الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية لعامة الشعب وذلك من خلال ما تضمنته المشاريع الاستثمارية من تغييرات لنمط الحياة المعيشية ورفع مستوى دخل الأفراد والأسر من عائدات منتجاتها كأسر منتجة ..
و لعله غير خاف على أحد ما يواجه العالم حالياً من زلزال اقتصادي مروع جراء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، انطلاقاً من أزمة الطاقة ثم الأزمة المالية وأخيرا أزمة الغذاء التي ظهرت في الآونة الأخيرة من خلف ستار ارتفاع أسعار القمح والأرز والذرة وغيرها من المواد الغذائية الأساسية التي تصاعدت أسعارها في السنوات الأخيرة بوتيرة مقلقة بلغت في الأشهر القليلة الماضية عنان السماء، الأمر الذي جعل الخبراء في لندن يقومون بدراسة هذه الأزمة العالمية بالغة الخطورة وأرجعوها لذلك الخليط القاتل المكون من عدة عوامل من أهمها الكلفة العالية للوقود والطقس السيئ والعوامل الطبيعية المسيطرة على البلدان الهامة المنتجة للغذاء.
بالإضافة إلى تقلص الأراضي المخصصة للحصول على الوقود الحيوي وارتفاع مستوى الطلب الاستهلاكي على الغذاء، خاصة من قبل الطبقات الوسطى المتنامية في كل من الهند والصين.
لقد أدى ارتفاع أسعار الأرز والقمح إلى تدخل عوامل أخرى في تفاقم أزمة الغذاء العالمية الراهنة وقد وصفت رئيسة برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة (W.F.B) أزمة النقص الحاصل في المواد الغذائية على صعيد العالم بأنها عاصفة تسونامي صامتة، ضربت دون سابق إنذار وأغرقت أكثر من مائة مليون شخص إضافي في أمواج الفقر المدقع، لتهدد الاستقرار في العالم إجمالاً وتنذر بمجاعة عالمية.
 وكذلك قالت مجموعة البنك الدولي ان ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أدى إلى سقوط أربعة وأربعين مليون شخص تحت خط الفقر في البلدان النامية فقط منذ يونيو الماضي، فيما تواصل تكلفة المواد الغذائية ارتفاعها مقتربة من مستويات الذروة التي سجلتها عام 2008م ..
و نقل مركز أنباء الأمم المتحدة للإعلام عن رئيس مجموعة البنك الدولي السيد روبرت زوليك قوله “لقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية العالمية بمستويات خطيرة باتت تهدد عشرات الملايين من الفقراء في مختلف أنحاء العالم وهي تشكل ضغوطاً هائلة على الشرائح الأولى التي تنفق أكثر من نصف دخلها على الغذاء”.
 ووفقا لأحدث إصدار من تقرير ” مراقبة أسعار الغذاء” ارتفع مؤشر أسعار المواد الغذائية بنحو 15% خلال الفترة بين أكتوبر 2010م ? ويناير 2011م بزيادة قدرها 29% عن مستوياتها قبل عام ويقل 3% عن مستويات الذروة عام 2008م. ويذكرأن مؤشر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ” فاو” لأسعار المواد الغذائية، سجل مستوى قياسياً متجاوزاً الذروة التي بلغتها عام 2008 .
و هذه الأزمة الغذائية العالمية، كغيرها من الأزمات الاقتصادية، تنبع من الدول الغنية ويتحمل أعبائها الثقيلة عادة فقراء العالم.. فإذا كانت ترهق الولايات المتحدة الامريكية الأكثرغنى مقارنة مع غيرها من دول العالم، فإنها ستكون مدمرة بقهر الأسر الفقيرة التي تنفق أكثر من ثلثي دخلها على الحاجات الغذائية ودفعت الكثير منهم لتغيير أنماط حياتهم الاستهلاكية وتقليص مقدار وجباتهم اليومية نتيجة لهذه الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فساد الخوف والذعر بين الناس الذين شرعوا باتخاذ الحيطة والحذر وبدأ المضاربون بشراء وتكديس البضائع في ظل الرقابة التي تفرضها الدول المنتجة للغذاء على صادراتها ..
وفي هذا الصدد أكدت رئيسة برنامج الغذاء العالمي ثقتها في قدرة العالم على إنتاج الكميات التي يحتاجها من الغذاء وان القضية مجرد إمكانية للعثور على المصادر التي يمكن استثمارها، معتبرة ارتفاع أسعار الغذاء، صرخة توقظ العالم وتدفعه للاستثمار في مجال الغذاء ودعم صغار المزارعين على إنتاج وتوريد المزيد من المواد الغذائية ومساعدتهم للخروج من دائرة الفقر التي يتخبطون فيها مع أراضيهم الفقيرة وآلاتهم غير الملائمة وغياب وسائل المواصلات، ما أدى إلى إهمال النشاط الزراعي إلى حد كبير، بينما شدد رئيس الوزراء البريطاني على التعاون مع الدول الصناعية الثمان والاتحاد الأوروبي لإيجاد استراتيجيه لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الدعم لأفقر دول العالم، مشيراً إلى ضرورة دراسة تأثير طرق الإنتاج الزراعي المختلفة على أسعار المواد الغذائية والبيئية، باعتبار أن هذه الأزمات الاقتصادية لا تقتصر على دول بعينها، بل تمتد تأثيراتها ومخاطرها إلى كل بلاد العالم شرقه وغربه غنيه وفقيره دون استثناء، فالكل يعاني في قلب العاصفة وفي مواجهة الإعصار ..
لأن بلادنا جزءاً لا يتجزأ من هذا العالم، تتأثر سلباً بالأزمات التي تعصف بهذا العالم، فإننا بحاجة ملحة لرؤية شاملة ومستنيرة لاتخاذ الإجراءات الضرورية والكفيلة بامتصاص تلك الآثار ومواجهة تلك التهديدات الناجمة عن هذه الأزمات.
وكان دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور علي محمد مجور قد بحث في عام 2008 م مع وفد الصندوق الدولي للتنمية الزراعية “ايفاد”، التعاون بين بلادنا والصندوق للأعوام الخمسة 2008م ? 2012 م في مجال التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي وتطوير الرؤية الاستراتيجية للتعاون ونوعية المشروعات الاستثمارية التي سيدعمها الصندوق في مجالات التنمية الزراعية والحيوانية والسمكية والتوسع في زراعة المحاصيل الغذائية، سواء الحبوب منها أو الخضروات والفواكه مما يساهم في الأمن الغذائي والتخفيف من الفقر في إطار إستراتيجية ..
و قد وجه فخامة الأخ رئيس الجمهورية في ذلك العام بالتوسع في زراعة القمح في كل من الجوف ومارب وبيحان ووادي حضرموت وتهامة، باعتبارها أكثر المناطق صلاحية لزراعة القمح، وبناءً عليه وضعت الهيئة العامة لتطوير المناطق الشرقية خطة للتنمية الزراعية لمحصول القمح خلال 2008م 2010 م بالتعاون مع محطة البحوث الزراعية وإكثار البذور والأجهزة التنفيذية في تلك المحافظات، بناء على دراسة ميدانية قامت بها الهيئة لتحديد المساحات المؤهلة لزراعة القمح بالتنسيق مع المؤسسة العامه لإنتاج البذور، لتحديد نسبة المتوفر من البذور المحسنة بالإضافة لدراسة المساحات القابلة للتأهيل وفقاً للضوابط المتعلقة بالاحتياجات المائية ومدى وفرتها.. وأوضح رئيس الهيئة أن الهيئة ستعتمد سياسة التركيز على زيادة المساحة المزروعة بالقمح بنسبة سنوية تتراوح بين 10 – 15% في تنفيذ خطتها على مدى سنوات الخطة إلى عام 2010 م وتلبية احتياجات المزارعين من البذور المحسنة والأسمدة وغيرها بالإضافة إلى الحفاظ على موارد المياه وإدخال أنظمة الري الحديث وتحسين كفاءتها وتحديد آلية التمويل والإقرار في السياسات المشجعة وتشجيع المستثمرين المحليين على الاستثمار في هذا القطاع الزراعي فضلاً عن برنامج دعم توطين القمح وتشجيع المشاريع الخاصة على إنتاجه في تحقيق هدف الهيئة المائل في توفير احتياجات البلاد من الدقيق باستخدام القمح المحلي والاحتفاظ بمخزون استراتيجي من القمح والوصول بالإنتاج المحلي إلى مرحلة الأمن الغذائي للسكان والاكتفاء الذاتي .. ومما لاشك فيه أن الإصلاحات الاقتصادية والتعديلات التشريعية وإعادة الهيكلة الإدارية، تعد ضرورة حتمية في ظل الاهتمام الدولي الواسع بالسوق المحلية باعتبارها أقوى أسواق المنطقة، لاستقطاب الاستثمار العربي والأجنبي كضرورة عصرية للدفع بتسريع عجلة التنمية ولتحسين مستوى المعيشة في عامة الناس.
 
* نائب رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة – نشر في صحيفة الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock