تقارير اقتصادية

المياه في اليمن : زيادة طلب .. وادارة عشوائية (2 – 2)

التوسع والنمو في الأنشطة المختلفة لا يخلو من ثمن باهظ,.. فاحتياجات الإنسان اليمني تتزايد كما ونوعا سنة بعد أخرى وبالتالي تتزايد الحاجة إلى المياه،وكان على الدولة أن تلبي تلك الخدمة بعد أن رفعت شعار خدمة المواطن وتحسين مستوى حياته، وهذا ما فتح ذهن المواطن للمطالبة بمشاريع المياه ليس فقط من اجل توفير مياه الشرب بل للزراعة, وبدأ يتطلع لمشاريع المياه الضخمة من قبل الحكومة.
والمطلعون على مسيرة إنجازات مشاريع المياه يعرفون أن مشاريع المياه لم تنفذ إلا في عدد محدود من المدن اليمنية خلال فترة الخمسينات وحتى بداية السبعينات .. مثل مدينة عدن، و في الستينات في تعز، وجزء من الحديدة.

أما الريف فكان لا يعرف أيا من المشاريع الحكومية و تكاد تقترن مشاريع المياه في الريف بظهور الحركة التعاونية في شمال اليمن سابقاً، وبالذات منذ منتصف السبعينات كما تزامن ذلك نشاط مياه الريف من قبل الدولة مع بداية عام 1972م، فتوجهت أنظار المواطن بعد ذلك إلى مشاريع المياه الحكومية والأهلية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاهتمام الفردي بأساليب حصاد المياه التي كان يتبعها لتدبير شؤون حياته،وركز جهوده لمتابعة تنفيذ مشاريع مائية حكومية وأصبح لهذا القطاع مخصصات مالية سواء في إطار ميزانية الدولة أو ضمن اعتمادات التعاونيات، وبدأ القطاع يتشكل نحو النظام المؤسسي فأنشئت العديد من المؤسسات والهيئات و لكن للأسف تركز نشاط هذه الهيئات على كيفية توفير المياه حتى وإن كان عن طريق استنزافه بصورة مفرطة.. ولم يتزامن هذا التوجه في تنمية وحماية هذه المصادر، ولم يأخذ في الاعتبار الإدارة المائية التي تعمل على ديمومة هذا المصدر.
وكشفت دراسات ميدانية سابقة عن الكثير من المعوقات التي ساهمت في بروز العشوائية في قطاع المياه، وتلخصت مظاهر تلك الصعوبات في التالي:
عدم التخطيط المسبق في عملية تنفيذ المشاريع، والنقص الكبير في المعلومات المرجعية والدراسات الدقيقة المتعلقة بمصادر المياه، فضلا عن عدم تنظيم المعلومات المتوفرة بالشكل الذي يسهل ويسرع عملية استخدامها عند اتخاذ القرار.
عدم التحري والتحقق من الدراسات المبينة لمدى الاحتياج ونسبته أو درجته.
نقص الدراسات الفنية وان وجدت فإن بعضها يكون قد وضع تحت ضغوط، وبالتالي لم تكن بالمستوى المنشود.
محدودية الاعتماد الاستثمارية للمشاريع المطلوبة في المناطق الريفية، وبالتالي محدودية التغطية لاحتياجات المجتمعات السكانية في تلك المناطق.
تجاهل أو إغفال مشاركة أو مساهمة المجتمعات المحلية المعنية بما فيها المرأة في التخطيط والإعداد والتنفيذ للمشاريع، الأمر الذي أدى إلى عدم تشغيل بعض المشاريع المنجزة بالصورة المطلوبة.
المشاكل الاجتماعية التي تظهر عند تنفيذ المشاريع تؤدي إلى توقف بعض المشاريع أو تأخير تنفيذها.
ضعف أو سلبية مشاركة المستفيدين في إقامة المشاريع مما يؤثر على الشعور بملكيتها وبالتالي اللامبالاة في الحفاظ عليها.
نضوب مصادر المياه الجوفية بسبب الاستنزاف الجائر والحفر العشوائي، فضلا عن ظاهرة التملح التي تظهر في بعض الآبار التي يتم حفرها لمشاريع هيئة مياه الريف.
محدودية مصادر المياه القابلة للتنمية والاستغلال مما يزيد العبء في استغلال المياه الجوفية المتاحة ومتابعتها إلى أعماق كبيرة قد تتجاوز 500 متر في بعض الأحواض المائية وهذا يزيد من التكاليف في تنفيذ أعمال الحفر وبالتالي تنفيذ مشاريع المياه.
غياب العدالة في التوزيع للمخصصات المتاحة وبالتالي بقاء نسبة التغطية لخدمات المياه في الريف متدنية في كثير من مناطق الريف، إلى جانب أن الخدمات المقدمة يعتريها كثير من العيوب والنواقص والسلبيات.
الاستجابة للرغبة أو للعاطفة أو المحاباة في اعتماد وتنفيذ المشاريع وليس للضرورة أو الحاجة.
عدم وضع مواصفات سليمة تعتمد على المعرفة المسبقة أو بالتجربة ولملاءمتها لمناخ وظروف كل منطقة في الجمهورية.
كما إن سياسة تشجيع الزراعة دون اتخاذ ضوابط لها، مثل ضرورة توفر الموارد المائية الكافية ساعد على استغلال الموارد المائية والتوسع في المساحات الزراعية أعالي الأودية الرئيسية عن طريق عمل منشآت تحويلية تتحكم بالمياه وتحول المياه فقط للمستفيدين في أعالي تلك الوديان.
إن الكثير من المشاريع تنفذ بحجة التنمية وتحسين المستوى المعيشي،ويتم ذلك دونما الاعتبار لمحدودية الموارد المائية والأضرار البيئية نتيجة استنزاف المياه الجوفية وإقامة الأعداد الهائلة من السدود بطريقة عشوائية.
لقد شهدت الفترة الماضية إنشاء العديد من السدود دون ضوابط، أو دراسات كافية لأننا تعاملنا مع هذا الموضوع بعاطفية وباندفاع بحثاً عن اقتصاد متقدم، وري الزرع في منطقة محدودة الموارد المائية.
فقد حدثني أحد المواطنين من محافظة عمران عن تنفيذ مشاريع الترميم لخزانات المياه والبرك بطريقة تخالف التصميم عن الوضع السابق، فتم التوسع باستخدام مواد انشائية غير ملائمة للمنطقة وتغير مسار قنوات التغذية و بعد إنجاز المشروع بتكلفة عالية لم يتم الاستفادة منه مثلما كان في السابق، لأن حجم الحاجز المائي كبر في حين كمية المياه التي يمكن حصادها من مياه الأمطار خلال الموسم في ذلك المكان بالكاد يغطي سطح أرضية الحاجز، وإذا ما بقيت لفترة فإنها تتبخر بعد عدة أيام، وكان يفترض أن لا تزيد مساحة الحاجز عن المساحة التي سبق وان حددها أجدادنا في السابق الذين كان لديهم معرفة لظروف كل منطقة، وهنا يتبين أهمية الإلمام المسبق بواقع المناخ والوضع الطبوغرافي للمنطقة، ولذا يجب مراعاة تلك الظروف عند تنفيذ مشروعات الري والحواجز والسدود خاصة في المناطق شبه القاحلة أو المناطق التي بلغت بها كميات المياه الحد الأدنى أو تقترب من ذلك، ولا شك أن تجاهل مثل هذه الدراسات ستكون له عواقب اقتصادية و زراعية و بيئية سيئة و بالتحديد في المناطق شحيحة الأمطار، ويبدو أن مظاهر العشوائية في تنفيذ مثل تلك المشاريع لا تزال مهيمنة حتى الآن، إذ تظل الشكوى من قصور في التخطيط، بالإضافة إلى تداخل في الاختصاصات، لغياب التنسيق واللقاءات المشتركة والمستمرة بين صناع القرار في الوزارات المعنية، وكذلك بين الجهات والهيئات الفنية والتنفيذية، ولا يستبعد المختصون في وزارة الزراعة والري من بروز أخطاء وتجاوزات في تنفيذ المشاريع التي يسعى خلفها الوجهاء والشخصيات الذين يدعون أنهم يمثلون المستفيدين والذين عادة ما يبرزون كشفا به العديد من توقيعات أبناء المنطقة، ويكون جهدهم منصبا في الحصول على حصة من صندوق تشجيع الإنتاج الزراعي الذي يمول مثل هذه المشاريع بالمشاركة والمساهمة بنسب تختلف من منطقة إلى أخرى.
ويحث بعض المسئولين على ضرورة وضع المعايير والضوابط لمثل هذه المشاريع للتغلب على الإشكاليات التي تصاحب هذا النمط من المشاريع، لأن معظم المشاريع المتعثرة تأتي من مشاريع الجهد الشعبي، و قد يكون هذا التعثر نتيجة لخلافات اجتماعية، أو لقصور في الدراسات الفنية، أو لعدم وجود مقاولين يتمتعون بالكفاءة المطلوبة ويمتلكون الخبرة الكافية التي تؤهلهم لتنفيذ مثل تلك المشاريع، والغريب في الأمر إن الاعتمادات المخصصة للدراسات المسبقة لمشاريع المياه لم تحظى بالاهتمام الكافي  في موازنة الدولة، مما يضطر المسئولين بوزارة الزراعة والري إلى إجراء مناقلات في إطار ميزانيتها، ولذلك يرجع بعض مسئولي وزارة الزراعة المشاكل الفنية التي تصاحب تنفيذ مثل هذه المشاريع إلى ضعف الاعتمادات المتعلقة بإجراء الدراسات اللازمة قبل تنفيذ المشروع، في حين تكون المشاريع الممولة من طرف أجنبي أكثر نجاحا لأنها تقوم على مثل تلك الدراسات.
وفي كثير من الأحيان تقيم الدولة مشاريع مياه في مناطق فقيرة غير أن السكان يظهرون عدم قدرتهم على صيانتها الأمر الذي يؤدي إلى توقفها والاتجاه نحو الجهات الحكومية للمطالبة بتكاليف الصيانة  والإحلال وهذا يتم على حساب المشاريع الجديدة المفترضة لبقية المناطق.
كما يتسبب الوضع الاجتماعي النافذ في الاستئثار والاستفادة من المشروع في تجمع سكاني واحد والامتناع عن إشراك تجمعات سكانية أخرى للاستفادة من هذا المشروع وبدوره يؤدي هذا الوضع إلى زيادة عدد المشاريع في مناطق يمكن خدمتها بمشروع واحد، و بسبب عوامل الطبوغرافية و التوزيع السكاني ترتفع تكاليف مشاريع المياه مما يصعب تنفيذ  المشاريع المرتقبة للوفاء بالاحتياجات السكانية، كما أن محدودية  الاعتمادات المرصودة لمثل هذه المشاريع يحول دون تنفيذ الكثير منها بطريقة مناسبة. و في غياب المساهمة الشعبية في تحمل تكاليف تلك المشاريع يؤدي ذلك إلى التقليل من كفاءة استخدامها وصيانتها لعدم تجاوب المواطنين في التمويل والإدارة .
 * صفحة المياة والبيئة – صحيفة الثورة

 

المياه في اليمن : زيادة طلب .. وإدارة عشوائية (1-2)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock