تقارير اقتصادية

خبراء يؤكدون على أهمية تطوير نظم التعليم والتدريب وربطها بمتطلبات واحتياجات سوق العمل المحلي والخارجي

شدد خبراء اقتصاد على أهمية تطوير نظم التعليم الفني والتدريب المهني وربطها بمتطلبات واحتياجات سوق العمل محليا وخارجيا والبدء بتكوين شراكة حقيقية وإستراتيجية بين المؤسسات التعليمية والتدريبية الحكومية وقطاع الأعمال الخاص في سوق العمل، بهدف خلق تعاون وثيق الصلة ومستمر نظرا للحاجة المتبادلة بينهما.
منوهين بضرورة تفعيل برامج الإستراتيجية الوطنية للتعليم الفني والتدريب المهني في اليمن، بما يؤدي معه إلى تحسين وتجويد مستويات الأداء في مؤسسات التعليم والتدريب الحكومية لتلبية متطلبات سوق العمل من جهة ورفع مستوى التأهيل للمتدربين من جهة أخرى وفتح قنوات الاتصال والتواصل وبناء العلاقات وتبادل المعلومات مع الجهات المعنية الرسمية في دول الخليج، لمناقشة قضية تواجد العمالة اليمنية في أسواقها، وخلق شراكة حقيقية معها ومع مؤسسات القطاع الخاص والمشترك في هذا الأمر، بما يخدم المصالح المتبادلة والمشتركة للجميع.

وأشارت دراسة حديثة في هذا الصدد أعدها الدكتور / أحمد شمسان رئيس مركز الإدارة العامة في المعهد الوطني للعلوم الإدارية  إلى تخفيف القيود الاجتماعية التي تعوق من التحاق الإناث بالتعليم الفني والتدريب المهني، وإعطائها فرصة الالتحاق بالمعاهد، الأمر الذي من شأنه أن يعمل على توسيع قاعدة مشاركة المرأة وإدماجها في هذا المجال الهام وتنشيط الدور الغائب لصندوق التدريب المهني وتفعيله لغرض الاستفادة من إمكاناته المالية المتاحة في رفع مستوى تأهيل وتدريب موظفي الدولة.

وذكرت الدراسة أن اليمن يمكن أن تكون من إحدى الدول المصدرة للعمالة إذا ما استوفت عمالتها الوطنية شروط ومتطلبات المنافسة القوية في أسواق العمل الخليجي. مبينة أهمية إعادة النظر في إستراتيجيات وسياسات وبرامج التأهيل والتدريب للعمالة الوطنية في اليمن من قبل الجهات المعنية بهذا الأمر كلا فيما يخصه، ومن ذلك مثلا عمل الدراسات اللازمة لتقييم الوضع الحالي للعمالة الوطنية وكيفية إعادة تأهيلها وتدريبها بما يتواكب ومتطلبات أسواق العمل المحلية والخليجية لسد الفجوة الحاصلة في هذا المجال وهذا الأمر يعني القيام بعملية دراسة وتحليل لنقاط الضعف والقوة الكامنة في هذه العمالة، بالإضافة لتحليل الفرص المتاحة لها في البيئة المحلية والخارجية، والعمل على كيفية مواجهة القيود والتهديدات المحتملة التي يمكن أن تعوقها وتؤثر سلبا عليها ، والتوجه نحو بناء قاعدة معلومات دقيقة وسليمة وشاملة للعمالة الوطنية في اليمن لمعرفة خصائصها ومواصفاتها المهنية وتنوعاتها وتوزيعاتها المختلفة في اليمن بما يساعد على التحليل العلمي والمعرفة لطبيعة ونوعية وحجم برامج التأهيل والتدريب المطلوبة لها، واتخاذ ما يلزم بناء على معطيات ميدانية لا نظرية. وكذلك بناء قاعدة معلومات عن احتياجات ومتطلبات وظروف وخصائص العمل في الأسواق المحلية والخارجية. إلى جانب العمل على تطوير نظم التعليم والتدريب وربطها بمتطلبات واحتياجات سوق العمل محليا وخارجيا

وأكد الدكتور شمسان في دراسته على أهمية التعرف على خصائص سوق العمل الخليجي الذي يتميز النشاط الاقتصادي فيه بالتنوع والديناميكية. فهذا السوق يحتوي على العديد من الصناعات والخدمات، مثل: الصناعات التحويلية والتعدين النفط والكهرباء والماء والبناء والتشييد والتجارة والمال والنقل والزراعة والصناعات الغذائية، بالإضافة إلى الخدمات الحكومية المقدمة كالصحة والتعليم وغير ذلك. وتتميز الأنشطة والخدمات السابق ذكرها، بالحيوية والنمو المطرد بسبب ضخامة حجم الاستثمارات المالية التي تم أنفاقها عليها والتي تنمو بالزيادة عاما وراء عام.

مشيرا إلى أن التقنيات المستخدمة في تشغيل هذه الأنشطة والخدمات تعتبر حديثة ومستوردة ومتعددة الجنسيات، كما تتميز بالتنوع والمواكبة للتطورات السائدة والمحتملة لهذه للقطاعات الاقتصادية. ولذلك فمن الطبيعي جدا أن يتطلب كل هذا الأمر تدريبا نوعيا متخصصا للعمالة فيها بغرض السير واللحاق بهذه التقنيات. كما أن أسواق العمل الخليجية حرة ومفتوحة، تتواجد فيها المنتجات العالمية إلى جانب المنتجات المحلية، مما يضع هذه الأخيرة أمام احتمالين أولهما أن تجد نفسها أمام تحدي ومنافسة شرسة من قبل مثيلاتها من المنتجات الصناعية الأجنبية، مما يدفعها نحو الاهتمام بالمواصفات العالمية لمعايير الجودة والنوعية عبر تبني الأساليب الإنتاجية ذات التقنيات العالية بهدف المنافسة في الأسواق ، أو الدخول في شراكة مع الشركات الأجنبية التي تنتج هذه المنتجات العالمية بهدف تحسين وتطوير المنتجات المصنعة محليا ومن ثم خلق فرص تصديرية لها في الأسواق الخارجية. وكل هذا يعني (بالإضافة لعوامل أخرى) أن النشاط الاقتصادي المتنامي في أسواق العمل الخليجي يتطلب عمالة إدارية وفنية مؤهلة لشغلها. ومن ثم تعتبر العمالة الوافدة لهذه الأسواق من الدول الأخرى هي المصدر الأساسي للعمل فيها.

وأوضحت الدراسة إلى أنه إذا لم يتم تأهيل العمالة اليمنية بالشكل المطلوب وسمح لها بالتواجد في سوق العمل الخليجي ستكون متواجدة في للعمل في مجالات أخرى قد  لا تقل أهمية عن غيرها من أشكال العمالات الأخرى في الأسواق الخليجية – والذي يمكن أن نطلق عليها مجازا تعبير العمالة الهامشية في المجتمع أو في سوق العمل، أي تلك العمالة التي تعمل في بعض الحرف اليدوية الدنيا والوظائف أو الخدمات المعاونة والمتواضعة التي لا تتطلب مؤهلات علمية عالية ومواصفات مهنية دقيقة وشروط عمل معقدة إلى حد ما، مثل العمل في مجال الخدمات التالية: المطاعم الشعبية، والمحلات والمعارض التجارية الصغيرة، أو الحراسة، أو مجال البناء والتشييد، أو الحرف اليدوية البسيطة في بعض الورش كالنجارة والميكانيكا والخياطة،…الخ. أو التسبب (عامل متسبب، أي على باب الله، يوم يعمل في سوق للخضار والفواكه، ويوم أخرى بائع على الرصيف، ويوم ثالث يعمل في سوق عمل أخر ومختلف عن السابق، وهكذا حاله يسير وفقا لسياسات العرض والطلب والظروف والتقلبات السائدة في سوق العمل).

مفيدة بأن هذا الشكل من العمالة والمجال من الخدمات العامة والضرورية في الأسواق الخليجية، تعتبر سوقا حيويا لكثير من العمالة اليمنية حاليا، رغم تواضع إمكانات هذا السوق والمجال قياسا بالمجالات الأخرى التي تشترط تأهيلا وتدريبا وتخصصا نوعيا وكفاءات وخبرات معينة تفتقر إليها عمالتنا الوطنية. ولذلك ينبغي علينا عدم الاكتفاء بالعمالة الهامشية التي نصدرها، وإنما توجيه وتطوير عمالتنا الوطنية  لتدخل سوق المنافسة في بقية مجالات العمل الأخرى، حتى لا تتمكن فقط من تحسين أوضاعها المعيشية بصورة فردية، وإنما تساهم في الدخل القومي لبلادنا.

وأضافت الدراسة : يمكن القول بأن التطورات والتغيرات التقنية المتسارعة في مجال العمل لها تأثير مباشر على العمالة مما يحتم على صانعي القرار التكيف مع هذه التغيرات؛ فالتغير أصبح سمة من سمات عصرنا وسوف يواصل هيمنته وتأثيره مستقبلاً. وهذا يعني أن العلاقة بين المعرفة والعلوم والتقنية بين الآلة وأسس الإنتاج سوف تتغير. فالمهارات التي اكتسبها العامل اليوم باعتبارها مهارات حديثة ستصبح عتيقة تماماً بعد سنوات قليلة. فإذا أراد العامل أن يصبح كفئاً في حرفته أو يظل محافظاً على عمله، عليه عندئذ أن يطور نفسه لمواكبه المستجدات الحديثة بما فيها من فرص متاحة له .

وتطرقت الدراسة إلى مجموعة القيود والتهديدات التي تعوق تطور التعليم الفني والمهني في بلادنا، والتي منها أن مخرجات التعليم الفني والتدريب المهني ما تزال أسيرة غياب التخطيط المنهجي والاستراتيجي للقائمين على إعداد هذا النوع من التعليم الهام من حيث وضع أهدافه وتوجهاته حاضرا ومستقبلا. فكل المؤشرات التي نشاهدها تدل على أن سوق العمل الحالي في اليمن يمكن له أن يستوعب أكبر عدد ممكن من مخرجات التعليم الفني والتدريب المهني التي تلبي وتشبع احتياجاته الضرورية في مختلف المجالات، فيما لو استوفت شروط ومتطلبات عمله، من حيث التكيف والملائمة مع ظروف وطبيعة العمل والمهارات التخصصية والنوعية المطلوبة لتنفيذه. فنحن نلاحظ اليوم أن السوق المحلية تستوعب العديد من الآلاف من العمالة الوسطية من الفنيين ومساعديهم من مختلف الدول العربية والأجنبية، بدلا عن استيعاب العمالة اليمنية المماثلة لها في العمل.

مشيرة إلى أن المهارات والمواصفات المهنية للعمالة اليمنية الوسطية في سوق العمل المحلي والخارجي متواضعة ومحدودة، قياسا على ما هو مطلوب منها من حيث جودة التأهيل والتدريب الفني ومجموعة المهارات الأدائية والسلوكية مع مراعاة المعايير والشروط والمواصفات المطلوبة للمهن المختلفة، وما هو متوافر عند مثيلها من العمالات الأخرى المنافسة لها في الأسواق الداخلية والخارجية.
ومن أسباب ضعف أو عدم مواكبة مخرجات التعليم الفني والتدريب المهني لمتطلبات سوق العمل اليمنية أو حتى أسواق الدول الخليجية المجاورة، أيضا تدني وضعف الموارد المالية والمادية اللازمة لمعاهد التعليم الفني والتدريب المهني. وضعف مستوى المنشآت والتجهيزات والإمكانات التشغيلية في مراكز ومعاهد التعليم الفني والمهني، بالإضافة إلى قدم وتقادم معظمها وتهالكها، مع ضعف قدرتها الاستيعابية لأعداد المتقدمين لها. إضافة إلى جمود المناهج الدراسية والبرامج التدريبية المقدمة وضعف مواكبتها لمتغيرات ومتطلبات سوق العمل مع غياب التوصيف المهني المحدد للمستويات المهارية والمهنية، والاعتماد على الفترة الدراسية المقررة التي يقضيها المتدرب في المركز أو المعهد التدريبي (عدد سنوات التعليم والتدريب). وضعف عملية إدارة التعليم الفني والتدريب المهني، فمعظم الهيئات الإدارية العاملة في هذه المؤسسات التدريبية غير مؤهلة للإدارة عمليا ونظريا، كما أنها لا تتلقى تدريبيا إداريا يعينها على أداء مهامها وتطوير مناهجها وبرامجها التدريبية بشكل سليم ووفقا لمتطلبات وآليات المنافسة في سوق العمل المتجدد والمتغير دوما وأبدا. وكذا تواضع مستوى كفاءة وتأهيل الكادر التعليمي والتدريبي المتخصص القادر على توصيل رسالة التعليم الفني والتدريب المهني.
وقالت : إن النقص في المهارات التقنية الحديثة تصبح مشكلة معيقة إذا رافقت هذا الكادر، إذ كيف له أن يطور في طرق ووسائل التدريب الحديثة وهو يعاني نقصا في تكنولوجيا المعلومات الجارية من حوله؟. ولذلك أجدها فرصة طيبة بالدعوة نحو إعادة النظر من قبل القائمين على هذا الأمر بإعادة ترتيب أوضاع المدربين العاملين في المؤسسات التدريبية من حيث تحسين أوضاعهم المالية بما يحقق معه حياة كريمة لهم، وكذلك العمل على رفع مستوى تأهيلهم وتدريبهم داخليا وخارجيا من خلال الاحتكاك بالمؤسسات المماثلة لطبيعة عملهم في الدول الشقيقة والصديقة للاستفادة منهم، ونقل تجارب وخبرات الآخرين في هذا الحقل الحيوي. وغياب أو ضعف الاتصال الفعال وأواصر الصلات الوثيقة بين الإداريين والمدربون والمدرسون والعاملون إجمالا في مؤسسات التعليم الفني والتدريب المهني من جهة، وقطاعات السوق المحلية المستقبلة لمخرجات التعليم الفني والمهني من جهة أخرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock