تحقيقات اقتصادية

أزمة المشتقات النفطية في اليمن .. تأثيرات كارثية على القطاع الزراعي والمزارعين وتوقعات بقلة العرض في المرحلة التالية وارتفاع قياسي لأسعار الخضروات والفواكه واللجوء للإستيراد وارتفاع نسبة البطالة بين المزراعين

مثلت أزمة المشتقات النفطية وارتفاع اسعارها بصورة جنونية تحديا كبيرا امام القطاع الزراعي والمرزاعين كونهم يعتمدون عليها بصورة كبيرة سواء في جانب الري بضخ المياه من الآبار الارتوازية أو في عملية نقل المنتجات من المزرعة إلى الاسواق المختلفة, زد على ذلك الانقطاع المتكرر للكهرباء ولساعات طويلة والتي بسببها منع المزارع من تخزين منتجاته, كما أن الكثير من المزارعين اتلفت منتجاتهم لعدم مقدرتهم على تسويقها والبعض اضطر إلى قطفها قبل النضج الكامل فأغرقت الأسوق بالمنتجات متدنية الاسعار والجودة وتحديدا قرب مناطق الانتاج حيث لم تصل حتى إلى تكلفة عملية القطف .. وهو ما مثل كارثة بكل معاني الكلمة وتكبد المزارع والاقتصاد الوطني عموما خسائر كبيرة.

شهدت الأسواق المحلية خلال الأيام القليلة الماضية إغراقاً محلياً من نوع جديد للسلع الزراعية حيث تراجعت أسعار بعض المنتجات بشكل كبير وصلت نسبها إلى مايزيد عن 200% مقارنة بالموسم الماضي, حيث وصلت قيمة السلة الطماطم على سبيل المثال في الأسواق المركزية إلى أقل من 300 ريال وحوالي 100 ريال باب المرزعة, كذلك الحال بالنسبة للبطاطس وبقية الخضروات وذلك نتيجة انعدام المشتقات النفطية وخاصة مادة الديزل وانقطاع التيار الكهرباء لساعات طويلة الأمر الذي أدى إلى عدم مقدرة المزارع على ري مزرعته أو نقل منتجاته أو حتى تخزينها في المبردات, الأمر الذي ينذر بارتفاع شديد لأسعار هذه السلع في قادم الأيام نتيجة توقف الإنتاج.. وهو مابدأ يحدث حالياً من ارتفاع للأسعار بشكل قياسي الأمر الذي سيشكل عباءاً اقتصاديا على الأسر اليمنية في قادم الأيام.
وتشير البيانات إلى أن الزراعة في بلادنا تستهلك 93% من المياه لري ما مساحته 488,000 هكتار يروي ثلاث أرباعها من المياه الجوفية. بيد أن المساحة المروية من السدود لا تتجاوز 75ألف هكتار فيما تعتمد نسبة كبيرة من المساحات في بعض الأوقات على الأمطار الموسمية.

خسائر كبيرة
الازمة الحالية التي تشهدها البلاد حاليا منذ أكثر من خمسة أشهر تحولت إلى طاحونة شرسة طحنت وماتزال تطحن بوحشية ونهم مخيف كل ما يقع تحت طائلتها كما يقول الدكتور منصور الضبيبي الأستاذ بكلية الزراعة -جامعة صنعاء, ويعد القطاع الزراعي من بين أكثر القطاعات الاقتصادية تضرراً وزادت الأضرار حدة وقسوة مع تفاقم أزمة المشتقات النفطية حيث يلاحظ تدني أسعار الخضروات والفاكهة قبل أيام بدرجة تعرض المزارعين إلى خسائر كبيرة جداً. فأنعدام الديزل والبترول ضاعف تكاليف النقل والتسويق إلى أكثر من 100% ومن وصل بمنتجاته إلى أسواق المدن الكبرى يصطدم بتدني الأسعار الناتج عن قلة الطلب.. فالكثير من سكان المدن نزحوا إلى قراهم, ومن بقي في المدن لا يستطيع الوصول إلى الأسواق المركزية لارتفاع تكاليف المواصلات ومن يمتلك سيارة لا يمتلك البترول, ومن تمكن من الحصول على بتول بأسعار خرافية وسلم من الغش ولم تتعطل سيارته, بالتأكيد يغامر بتلك الثروة ليذهب إلى السوق لشراء الخضر والفاكهة.. فالكهرباء مقطوعة والثلاجة لا تعمل ومصير معظم ما سيشتريه سيكون التلف.

مشكلة أخرى
وأكد الدكتور الضبيبي أن كل تلك الخسائر التي تكبدها المزراعون تجعلهم غير قادرين على سداد ديونهم وربما عاجزين عن شراء مستلزمات جديدة للإنتاج.. ومع استمرار أزمة الديزل لن يتمكن معظم المزراعين من زراعة المحاصيل للموسم الصيفي الحالي خصوصاً مع شحة الأمطار وارتفاع درجة الحرارة .. مشيراً إلى أن أحجام أو عدم قدرة معظم المزراعين على الزراعة خلال الموسم الحالي, سوف يخلق مشكلة أخرى, وهي قلة العرض في المرحلة التالية وبالتالي ارتفاع كبير في الاسعار قد يتجاوز قدرات المستهلك, وسوف نلجأ إلى الاستيراد لكل أنواع الخضر والفاكهة, وهذا يعني خسائر للاقتصاد الوطني, وتدهور أوضاع المزراع اليمني.
منوهاً بان تلك الاوضاع سوف تطال الجميع تجارا, مزراعين, وسطاء, عملاء ومستهلكين.. ونظرا لكثرة المشكلات التي يعاني منها قطاعنا الزراعي فالمخاطر كبيرة وسوف تتفاقم بتفاقم الأزمة, شأنها شأن كل مناحي الحياة في البلاد.

استيراد
يرى المهندس/ فاروق قاسم – مدير عام التسويق والتجارة الزراعية أن الماء يعتبر الشريان النابض والذي بدونه تتوقف تجلة التنمية الزراعية, ومايعانيه المزراعون من شظف العيش نتيجة لإنعدام الشتقات النفطية وبالذات مادة الديزل التي يعتمد عليها ضخ المياه الجوفية لري المحاصيل النقدية من خضار وفاكهة وحبوب من ارضنا الطيبة بدلا من استيرادها وبيعها بأسعار مضاعفة وتعميق “اقتصاد الريع” بدلا من أقتصاد الإنتاج.
كما يؤثر غياب وارتفاع اسعار المشتقات النفطية على دخول المزارعين ويؤثر على القطاع الزراعي بشكل عام وهو ما يؤدي إلى تضييق الهوة لهوامش الأرباح التي يحصل عليها المزارعون.
موضحاً أن الارتفاعات السعرية لمعظم السلع الغذائية له الأثر الكبير على معاناة الناس البسطاء وسيكون المزراعون وصغارهم الأكثر تضرراً, وهو ما سيوسع دائرة الفقر والتعرض لمخاطر الافلاس وتوقف نشاط هذه الفئة وهو ماسيصيب القطاع الزراعي بالشلل التام إذا لم يتم اتخاذ اجراءات احترازية لإنصاف المزراعين والزراعة وتوفير المشتقات النفطية لهم على وجه السرعة.

كارثة حقيقة
من جانبه يشير المهندس عباد العنسي – رئيس نقابة المهندسين الزراعيين إلى أن اختفاء المشتقات النفطية بالنسبة للمزارع هو كارثة حقيقة تستدعي التدخل السريع, ويشير إلى أن معظم المحاصيل المروية هذه الفترة هي فترة موسمها وبالتالي نسبة المزراعين المتضررين كبيرة.
لافتاً إلى أن معظم السنوات وفي هذه الفترة يكون استخدام المزارع للري من الآبار الجوفية محدود بيد أن هذا العام أزداد الاعتماد عليها بسبب شحة الأمطار وهو ما يتطلب المزيد من الديزل لري المحاصيل.
وأضاف أن المزارع الذي محصول في مرحلة الحصاد فإنه لا يجد وسيلة لتسويقه إلى الاسواق الكبرى واذا وجد الوسيلة فإنه يدفع تكاليف النقل ضعفي قيمة المحصول وهو مايضطره الى بيعه في المزرعة أو على قارعة الطريق وبأسعار بخسه.

وفرة كبيرة
ويرى المهندس صلاح المشرقي – خبير زراعي أن اختفاء المشتقات النفطية يعني تحول الجزء الأكبر من القوى العاملة في القطاع الزراعي الى صفوف البطالة والتي كنا نعاني من ارتفاعها قبل حدوث الازمة الحالية.
وبسبب شحة الامطار هذا العام واختفاء المشتقات النفطية أثر ذلك مثلاً على محصول البطاطس في ذمار وحصلت وفرة كبيرة وبالتالي انخفض السعر إلى أدنى مستوياته مع انخفاض جودة المعروض بشكل ملفت للنظر وبالمقابل انخفض المعروض من هذا المحصول بشكل كبير في مناطق أخرى مثل محافظة الحديدة وبالتالي ارتفاع الاسعار هناك الى مستويات قياسية وبصورة لم تحصل من قبل.

توقف وانعدام الانتاج
مؤكداً أنه خلال الفترة القليلة القادمة ستشهد بعض المحاصيل الزراعية انعداماً شبه كلي في الاسواق سواء في المناطق المنتجة أو المستهلكة نظراً لتوقف غالبية المزراعين عن الإنتاج بعدما ذاقوا مرارة الخسارة التي لحقت بهم وتخوفهم مما ستؤول إليه الأمور لاحقاً.
والمحصلة النهائية أن غياب المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها بشكل جنوني في الأسواق السوداء أدى إلى تدهور الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني بشكل عام ليس فقط بسبب عدم توفير وسائل النقل والتسويق وارتفاع ايجارها ولكن أيضا تدهور الإنتاج من حيث العمليات الزراعية كاملة والعمالة وانعدام الخدمات الإرشادية التي تعتبر العمود الفقري للإنتاج الزراعي.
*صحيفة الثورة الرسمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock