تقارير اقتصادية

خطورة استنزاف المياه الجوفية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي

القصة التي سأوردها جعلتني أكثر تأثرا من خطورة استنزاف المياه الجوفية، لأنها طالت أحد الأقارب الذي تحول بين يوم وليلة من شخص موسر إلى فقير معسر،وتتلخص القصة في أن ذلك الشخص الذي عاد بعد طول اغتراب في إحدى الدول الخليجية، ومعه مبلغ من المال، ودخل شريكا مع شخص آخر في مصنع لصناعة اسطوانات الغاز وصهاريج السيارات الكبيرة، ولم تمض فترة بسيطة حتى فشلت الشراكة فانسحب برأسماله وقام بشراء مساحة كبيرة في سهل تهامة على أساس أن تكون مزرعة للفواكه وتربية المواشي، وبعد أن استكمل تجهيز المزرعة، جاء بحفار فحفر له بئرا ارتوازية، وخرجت المياه واعتقد انه أمام مشروع عملاق، فزرع الموز بكميات كبيرة، ولأنه لا دراية له بمسائل التسويق ولم يفكر بهذا الأمر كثيرا. أوشك الموز على النضوج كان لايزال يجهل التواصل  مع تجار الموز، واضطر إلى بيع المحصول بأقل من تكاليف الإنتاج – غير تكلفة المياه- ولم يستطع دفع أجور العمال الذين ساعدوه في أعمال المزرعة.
تحول من زراعة الموز إلى زراعة المانجو، ولكنه كان بحاجة إلى مبلغ يساعده على تطوير المزرعة وتنفيذ الخطة الجديدة، فسحب ما تبقى له من رصيد في البنك وقام بشراء أنابيب جديدة وتعميق البئر، ولأن أشجار المانجو تحتاج إلى وقت طويل حتى تثمر أصبحت المياه التي تضخها البئر ضعيفة جدا، ودله شخص آخر بأن يقترض من البنك الذي تعامل معه في الفترة السابقة، فكان رد البنك انه لا يستطيع إقراضه دون ضامن لأن رصيده أصبح مكشوفا، كما أصبحت البئر دون مياه لأنه سحب خلال الفترة الماضية كل المخزون المائي في نطاق مزرعته.
وعندما سألته : ماذا تزرع الآن ؟
أجابني : ازرع  الطعم والعجور ( نبات للماشية) من مياه الأمطار، وهكذا تغيرت خطة قريبي من زراعة الفواكه كغذاء للإنسان إلى زراعة (القصب) للمواشي.
هذه القصة نموذج لمشاريع قائمة على المياه الجوفية ويكون مصيرها الفشل والإفلاس في منطقة محدودة الموارد المائية.
فشح المياه ليست ظاهرة طارئة على اليمن من حيث كميتها فالبلاد مرتبطة في موقعها الجغرافي والطبيعي منذ أن خلق الله هذا الكون, وقد مرت سنوات جفاف على كثير من المناطق, وعانى الناس الكثير، وعرف اليمنيون السنوات العجاف تعرضوا فيها للمجاعة و الموت ووضعت حياتهم على المحك، ولكن مثل هذه الحالات لم تدم طويلا, فما أن تهطل الأمطار حتى يتلاشى الكثير من تلك المتاعب, ومع سقوط أولى القطرات من السماء, يتم احتضانها و تجميعها فتنقشع  الغمة و يأتي الفرج.
أما الآن فإن حديث الأزمة المائية لم ينقطع منذ سنوات والسبب أن مياه الأمطار لم تعد المصدر الأول لتوفير حاجتنا من مياه الشرب و الري للزراعة, ومع استيراد آلات الحفر الحديثة اتجه المزارع للبحث عن المياه نحو أعماق الأرض فاستخرج المياه واعتقد أنها أكثر وفرة و غزارة من مياه السماء .. و مع مرور الأيام ترسخت ثقافة الاستنزاف و السحب من المياه الجوفية و تدخل في مجمل استخداماتنا, فلا يلبث بعد عدد قليل من السنين أن نجد الأنبوب الذي يضخ هذه المياه وقد أصبح ينفخ هواء ساخنا ولم تعد هناك مياه، لمس هذا الوضع المزارع قبل غيره, وأمتد القلق إلى أصحاب الآبار الخاصة، و طالت نتائج الاستنزاف المفرط سكان المنازل في المدن الذين يحصلون على خدمة المياه من آبار مؤسسات المياه،فأصبحت الندرة حديث الجميع.
وبالرغم من أن هناك إجماعا عاما على وجود استنزاف مفرط للمياه الجوفية, إلا أن الباحثين والمشتغلين بقطاع المياه أكثر إطلاعا بالمدى الذي بلغه هذا الاستنزاف في التوسع وبأسبابه.
فالدراسات والمسوحات الميدانية التي يقومون بها تكشف مؤشرات خطيرة لمظاهر الشحة المائية في كثير من المناطق و الأحواض المائية بسبب الضغط والطلب المتزايد على المياه الجوفية الذي يتصاعد بزيادة النمو السكاني ودخول القطاعات المستخدمة في منافسة على كميات محدودة من المياه, كل ذلك أدى إلى تجاوز استغلال المياه الجوفية للمستويات الآمنة لإعادة تجدد مصادرها في معظم مناطق اليمن، وأصبح استنزاف هذه المياه أكثر شيوعاً في المرتفعات الشمالية والغربية الذي يعيش فيها أكثر من 90% من السكان حيث فاقت كميات المياه المسحوبة من الخزانات الجوفية خلال عام 1994م، حوالي 1.8 بليون متر مكعب بينما معدل تغذية هذه الخزانات 1.1 بليون متر مكعب و أدى هذا السحب إلى وجود عجز دائم في الخزانات يبلغ نحو 70% من نسبة التغذية.
نلاحظ أن هذا الاستهلاك يتركز في منطقة جغرافية ضيقة تشهد تزايداً سكانياًَ مستمراً يوما بعد يوم، ومع التوسع العمراني الدائم لهذه المراكز السكانية يزداد الإجهاد على المصادر المائية مما يضطر القائمين على المياه إلى العمل على استجلابه من مسافات بعيدة.
تشجيع الاستنزاف
لقد أدى انتشار الحفارات والمضخات إلى ضخ المياه بكميات كبيرة وبطريقة لم يكن يعهدها المزارع من قبل حتى نضبت معظم مياه أحواض رسوبيات العصر الرباعي ويبدو أن الأحداث والمتغيرات كانت تتلاحق بصورة سريعة مما يصعب تقييم آثارها فلقد أدى توفر تكنولوجيا الحفر إلى تجاوز طبقات الرسوبيات والوصول إلى طبقات أكثر عمقا وأمكن استخراج مياه هذه الطبقات بمكائن ضخ ذات قدرات عالية جعلت المياه تندفع بغزارة،واعتقد المزارعون أنهم وصلوا أخيراً إلى المياه الغزيرة التي لا تنضب، ولكن سرعان ما تبدد الوهم وبدأت مناسيب المياه تنخفض بشكل مستمر.
ومما زاد من تفاقم المشكلة التوجه نحو تشجيع ودعم حفر الآبار وتوفير المضخات عدد المضخات المستوردة عام 1995م (53000) مضخة ثلاثة أضعاف حجم الاستيراد في عام 1992م، وكان شراء 75% منها أي حوالي 40,000 مضخة من قبل الحكومة، وذلك ضمن التوجه نحو تشجيع الزراعة, و قوبلت تلك الإجراءات بترحيب واسع من كل القطاعات والأطراف بما في ذلك البنك الدولي الذي منح قروضا لهذا الجانب، فأنشئت جمعيات وبنوكاً زراعية تدعم استيراد المضخات والحراثات الزراعية.
إن النتائج المباشرة للاستنزاف هي حدوث انخفاض في منسوب المياه بشكل دائم وغير قابل للاسترجاع و يمكن ملاحظة ذلك من خلال سجلات نسب المياه و التي تظهر انخفاض المناسيب بمعدل 1-3 أمتار في حوض تهامة، 6-8 أمتار في حوض صنعاء، 1.5-3 أمتار مكعبة في حوض صعدة.
إن معدلات الاستنزاف الحالية لهذه الأحواض تعني تعرضها للنضوب خلال فترات زمنية قصيرة, كما أن الحفر العشوائي المستمر في الأحواض المائية من أهم الأسباب التي تؤدي إلى استنزافها.
لقد ساهمت الكثير من العوامل في شفط المياه الجوفية ومن هذه العوامل قيام القطاع الخاص بالتوسع في استغلال المياه الجوفية بطريقة غير منتظمة لأغراض زراعية وكذا للامدادات الخاصة, ولذلك فمعدلات الاستخراج فاقت معدلات التغذية في حين مناسيب المياه تواصل الهبوط, فقد هبط منسوب المياه من حوض صنعاء أكثر من 150 مترا خلال الفترة 1974- 1994م.
فخلال الفترة الماضية تعاملنا مع المياه وخاصة المياه الجوفية ليس كثروة وجودية وإنما من منظور الثروة السائبة دون التفكير بأهمية بقاء وديمومة هذه الثروة الحياتية التي بدونها لا ينفع ما نشيده من مبان ومرافق متعددة ومتنوعة، فاستمر استنزاف المياه الجوفية دون رحمة لنصحو في منتصف التسعينات من القرن العشرين على أرقام مفزعة تبرز حجم القسوة على ثروتنا المائية والتي تكونت في باطن الأرض خلال آلاف السنين وأجهزنا على الكثير منها في فترة لا تتجاوز الـ(25) عاما.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock