تحقيقات اقتصادية

أزمة الضمير أساس مشكلة الوقود والرقابة لا تدخل الشوارع الخلفية..والسوق السوداء .. خفايا يكشفها جنون الأسعار

قبل أن تسأل عن جوهر كل أزمة تتصل بوسائل التعاملات اليومية التي تقوم بين المجتمع ومؤسساته ، وبين الفرد وأبناء مجتمعه يتبادر إلى الذهن السؤال القيمي المرتبط بالنسيج الثقافي وضوابط الحياة التي تعنى باتزان التعامل على أقرب خط من إيجابية السلوك اليومي بين بني البشر .. فمثلاً ما الذي يمنع أن تعطي نفسك فرصة التعامل الإيجابي مع كل الناس على حد سواء في زمن السلم والحرب والأمن والخوف ، ولماذا التهور في احتكار سلعة ضرورية كالوقود وامتناع أصحاب بعض المحطات من البيع وبالسعر المحدد من الدولة بهدف بيع هذه الكميات بسعر تحدده رغبة تشخيصية جامحة للحصول على أكبر قدر من المال؟

إجابة هذه الأسئلة لا تعني أكثر من قاعدة صلبة تقوم على بواعثها السوق السوداء للمشتقات النفطية التي نرصد بعض مظاهرها في هذا التحقيق:
إن مفهوم السوق السوداء لا يعني الشكل اللوني للسواد كأن تتم في ظلام الليل فهي تتم في وضح النهار والمقصود الاقتصادي والمعيشي من هذا المصطلح يقصد به دلالة ما تتصل بالجوهر القيمي  لسلبية وسوداوية الاحتكار والاستغلال لإلحاح الحاجة لدى المواطن وضرورتها في تسيير حياته اليومية وبيعها في ظلام غياب الرقابة وظلام الجشع وإرباء سعرها حد المضاعفات المئوية الخارجة عن نسق المنظومة السعرية المعروفة لدى المجتمع ، كما أنها تتم خارج قنوات التعامل التجاري ، كأن تجدها في أحياء وشوارع بعيدة عن أسواق ومصادر هذه السلع الأصلية والمعروفة ، وهي المحطات المنتشرة في كل أنحاء البلاد.{xtypo_rounded_left2}سائقو السيارات:
طوابيرنا لا تأتي بنتيجة وانطفاءات الكهرباء ساعدت المحطات على التلاعب بالكميات
الأزقة والحواري البعيدة صارت مسرحاً لبيع المشتقات النفطية بأسعار غير مسبوقة
باعة في السوق السوداء: الرقابة الشديدة حدت من المنافسة في الشارع
أصحاب المحطات: توفير الكميات في المحطات هو الحل للقضاء على السوق السوداء {/xtypo_rounded_left2}

 

 مظاهر مختلفة
قبل التطرق إلى أزمة الضمير الذي تمكن الإنسان من التحايل على رقابة التشريع في أوقات الضبط ناهيك عن غياب الرقيب سنعرض مباشرة بعض مظاهر السوق السوداء في أمانة العاصمة .. ففي البدء من اشتداد الأزمة السياسية التي مدت ألسنة لهيبها نحو وسائل الحياة المعيشية اليومية بدأت التجمهرات على المحطات بشكل يومي أخذ بالتصاعد يوماً بعد يوم ، لتظهر أثرها تجمهرات حول براميل تحملها ديانات في شوارع خولان وشعوب وشارع تعز .. بعيدا عن الرقابة.
يقول أحمد حسن الريمي: أول ما بدأت السوق السوداء ببيع مادة الديزل والبترول كانت في شارع خولان حيث يوجد سوق (البقر) وكان السعر حينها يتراوح بين (3000-5000) ريال للدبة الديزل ، و(4000)ريال للدبة البترول وكان وجود هذه التجمهرات يتكرر في أكثر من مكان سواء الشوارع الرئيسية أو الشوارع الفرعية.
وقال الريمي: كان الوضع هذا يسمح للبعض من السائقين والمالكين للسيولة بشراء كميات كبيرة من الوقود ، لكن مع تفاقم الأزمة أدرك ممتهنو البيع وفق زيغ وجشع السوق السوداء أنها فرصة العمر فبدأوا برفع السعر إلى (8000-10.000) دون رحمة.
السائق زيد عبدالرحمن الجبري ينقل صورة مثيلة لتجمعات الباعة في شارع شعوب أو أحد أحيائها موضحاً أن هلع الناس سبب رئيسي في اتساع خارطة السوق السوداء ، وتشكيل وتنويع مظاهرها وانتقالها إلى الأحياء والحارات التي لا تصل إليها عيون الرقيب.

البيع من المنازل
قبل أسبوعين التقيت أحد أصدقائي في الزبيري وشارع هائل كان بانتظار أن يحصل على بترول لكن حظه السيئ أقصاه في اللحظات التي كانت تفصل بينه وبين دوره سيارتان فقط، فاتجه وأنا معه إلى شارع خولان حيث اشترى – حسب قوله – قبل ثلاثة أيام دبتي بترول من ديانة تبيع للمواطنين بسعر مزادي أي أكثر من المحطات بضعفين ، وحين وصلنا شارع خولان لم يجد أي من الديانات التي تشبيع على الشارع بسبب نشاط الرقابة التي تطارد من يبيعون الوقود بهذه الصورة المخالفة.
قام صديقي علي أحمد بالاتصال بأحد أصدقائه الذي اشترى من هناك في صباح نفس اليوم فاعطاه رقم شخص يدعى (ع.م.ي) والذي يوجد لديه بترول ولكن في منزله أو في حارته، فاتصل به صديقي وبناءً على تحديد المكان اتجهنا نحو شميلة على نفس شارع خولان لندخل إحدى الحارات وأزقتها حتى وصلنا إليه بصعوبة كبيرة واشترينا دبتي بترول ولكن بسعر يصل إلى (10.000) بعد ترجي صديقي للبائع وبعد تأكيد البائع أنه لولا وجه صديقي ومجيئه من الزبيري لما حصل عليها بهذا السعر.
البائع شكى بمرارة من عيون الرقيب ، مفصحاً أنه اشترى ثلاثة براميل من إحدى المحطات التي يملكها أو يعمل فيها أحد أقاربه على خط معبر ذمار.
وقال: إن الرقابة التي شددتها الجهات المختصة على البائعين في الشوارع الرئيسية قد أجبرتهم على الهروب إلى الحارات والمنازل ولكنها ساعدت على رفع السعر أي أنه كلما كان جهد البحث أكثر ارتفع السعر.

اختفاء يخدم الجشع
الرقابة حسب كثير من بائعي البترول خارج المحطات أدت بالسوق السوداء إلى الاختفاءات بين الحين والآخر والاختفاء لا يعني توقف السوق السوداء عند حد الرقيب ، بل انتقالها من الشارع الرئيسي إلى الحارات والأزقة ودخولها منحى التفكير الجاد بإيجاد البدائل وفق احتيال يعزز جنون السعر.
يقول محمد عبدالله الفقيه سائق حافلة: لو أن الجهات المعنية هذه الأيام ترفع يدها عن بائعي الوقود في السوق السوداء لخدمتنا إيجابياً، فبدلاً من أن يهرب أصحاب المحطات براميل الديزل والبترول إلى الحارات وإلى خارج المدن والشوارع الرئيسية فسيعرضوا كمياتهم في الشوارع وهذا سيسمح للكثير بذلك وسيحدث منافسة تنعكس إيجابياً على الناس بالنسبة للأسعار إذ أن كل بائع سيحاول أن يكون الأفضل وبدلاً من البيع في أماكن بعيدة عن الرقيب بسعر عالٍ سيكون في وضح النهار بسعر تنافسي.
ودعا الفقيه وزارة النفط وشركة النفط اليمنية إلى دراسة الوضع بجدية وعدم التهور في الرقابة في ظل أزمة حادة فكلما كثرت الرقابة في المدن الرئيسية تتزايد الأسعار في السوق السوداء التي تقام خارج المدن الرئيسية وإذا كان لدى الوزارة إمكانية الوصول إلى كل مكان وحارة وزقاق فليكن وإلا فعليها رحمة الناس بابقاء عيون الرقابة على المحطات فالمحطات المخالفة هي مصدر السوق السوداء ولا يوجد أي مصدر آخر حتى الذي كان لديه مخزون فكم سيكفي لو افترضنا ذلك فكل السوق السوداء باختلاف مظاهرها لا تأتي إلا من المحطات.

أزمة ضمير
لكن أصحاب المحطات ومالكوها يلقون بلائمة السوق السوداء إلى تجار لا يملكون محطات كان لديهم كميات مخزونة من الماضي أيام الأمان والأسعار المتدنية والمحدودة بـ(1000) ريال للدبة الديزل و(1500) للدبة البترول، مؤكدين أن توفير الكميات الكافية للمحطات وحده من سيقضي على السوق السوداء وليس الرقابة عليها وبشكل يمنح المتلاعبين التفرد ببيع الكميات المخزونة بأسعار جنونية.
 خلاصة القول أن جوهر الأزمة الحقيقي لا يخرج عن أزمة الضمير التي يعيشها أصحاب الجشع والزيغ المادي.
* عن صحيفة الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock