تقارير اقتصادية

يصل الاستهلاك إلى 90% : أهمية ترشيد استخدام المياه في القطاع الزراعي 1-2

عرف عن المجتمع اليمني أنه مجتمع زراعي منذ القدم،وارتبط نشاطه على المخرجات الزراعية، بما في ذلك التجارة والصناعات الحرفية، فإضافة إلى الغذاء كانت الزراعة مصدر رئيسي في التجهيزات المنزلية التي كانت ضرورية لحياة الإنسان ومنها السكن، وكان لهذه العلاقة المصيرية قوة الترابط والاحترام والوفاء بين الإنسان والأرض، فصاغ أعرافا وتقاليد للأخذ والعطاء بين الطرفين، فكانت المياه والتربة والشجرة بمثابة المظلة التي تؤمن له الحياة والاستدامة، ولذلك كان حرصه على هذه العناصر الثلاثة جزءاً من حرصه على حياته وحياة الأجيال المتعاقبة.
كان الإنسان اليمني يدرك أن أي تعامل بقسوة مع هذه العناصر أو إلحاق الضرر بها أو التقاعس عن خدمتها أو التصرف بجنون وعشوائية نحوها يعني الحكم على نفسه بالانتحار.
ولذلك تكونت لدى المجتمع اليمني مشاعر الارتباط بالزراعة من منطلق أن معظم سكان اليمن كانوا يسكنون الريف وكان كل حياتهم ونشاطهم قائم عليها .
فحتى منتصف القرن العشرين كان 90% من سكان البلاد يتمركزون في الريف، والحياة في الريف يعني أ ن يؤدي أغلب أفراد الأسرة أعمالهم في الزراعة حتى يحصلوا على احتياجاتهم من الطعام وإلا ماتوا جوعا.
ولكي تستمر هذه الدورة الحياتية كان الإنسان يعي ما تحتاجه الزراعة من مياه لا تنضب وجهد لا يعرف الكلل.
ومن الزراعة ومواسمها.. والأمطار ومواعيد هطولها.. والمياه وطرق حصادها وأساليب استخدامها تشكلت ثقافة شعبية غزيرة بالحكم والمواعظ والإرشادات أقوى تأثيرا من وسائل الإعلام في عصرنا الراهن فأبدع العقل اليمني مهارات زراعية وطرقا مقننة في استخدامات المياه وتفنن في بناء المدرجات الزراعية والحواجز وقنوات الري، وتناقل الناس تلك الخبرة عبر الأمثال والأهازيج، والزوامل.
وارتبط الإخلاص في العمل والحكمة في التدبير بتقييم الشخصية، فبقدر اهتمام الإنسان بأرضه و محافظته على كل قطرة مياه كان يعتبر بمثابة الإنسان الحكيم الذي يستفاد من خبرته وتجاربه.
 ولذلك عندما نضع الزراعة تحت المجهر فإننا سنكتشف أن الكثير من تلك القيم والمثل والأعراف قد تم التخلي عنها في عصرنا الراهن.
إن الحديث عن مشكلة المياه و الأسباب المؤدية إلى ذلك ينبغي أن نستوعبها، ليس بغرض تأنيب الذات وإنما لتفادي المزيد من التدهور، وهنا لا بد من الوقوف على السبب الرئيسي للاستنزاف الذي ربط بالزراعة. فإذا عرفنا الأسباب يصبح بالإمكان وضع الحلول المناسبة لمواجهتها.فهناك من الأسباب و المسببات التي أسهمت في بروز الأزمة المائية وفي مقدمة تلك الأسباب سوء استخدامنا لهذه الثروة الحياتية الهامة في مختلف قطاعات الاستخدام وأولها القطاع الزراعي الذي شهد أبشع حالات الإسراف والاستنزاف  في ظل التجاهل و التبذير للثروة المائية و بالذات المياه الجوفية التي استنزفت, في الوقت الذي حدث فيه تراجع ملحوظ في استخدام المياه السطحية و حصاد المطر، وفوق هذا وذاك لم يقترن الإنتاج الزراعي بدراسة الجدوى المائية فانتجت محاصيل تستهلك كميات كبيرة من المياه، والخطير في الموضوع أن المياه الجوفية تمثل الجزء الكبير من احتياجات الري، ويتعاظم القلق مع استمرار استنزاف المياه الجوفية بشكل متسارع.
ورغم ما استهلكه القطاع الزراعي من كميات هائلة من المياه إلا أن مساهمة هذا القطاع  كما تشير بعض المصادر في الناتج المحلي الإجمالي لا يزيد عن 17% .
وللإنصاف فإن هناك بعض النجاحات تحققت في القطاع الزراعي وصولا إلى اكتفاء ذاتي من الخضر والفواكه إلا أن ذلك كان باهظ الثمن من حيث المياه المستخدمة في الري الزراعي خاصة أن هناك محاصيل زراعية استنزفت كميات هائلة من المياه.
فخلال الفترة الماضية تعاملنا مع المياه و خاصة المياه الجوفية ليس كثروة وجودية … وإنما من منظور العائد المادي.. دون التفكير بأهمية بقاء و ديمومة هذه الثروة الحياتية فأستمر ينا في استنزاف المياه الجوفية دون رحمة, لنصحو في منتصف التسعينات من القرن العشرين على أرقام مفزعة تبرز حجم القسوة التي مارسناها على ثروتنا المائية، و التي تكونت في باطن الأرض خلال آلاف السنين.
فمنذ بداية السبعينات وحتى  عام 1995م كانت الإحصائيات قد سجلت أكثر من 50000 بئر تناثرت في عدد من المناطق تولى حفرها أكثرمن 200 حفار، وحمل القطاع الزراعي مسؤولية بقر الأرض بتلك الحفارات لشفط المياه الجوفية دون أي اعتبارات ترشيدية أو إرشادية وذلك بعدما وجد المزارعون أن هناك مردودا سريعا من استخدام هذه المياه في الزراعة و شعورهم بأن هذا المورد مضمون وموجود في أي وقت يريدونه، على العكس من الموارد السطحية التي تخضع لمواسم الأمطار و تقلباتها و تذبذب كمياتها، وبذلك زاد الاعتماد على المياه الجوفية في الزراعة و قل الاعتماد على المياه السطحية وأهملت الزراعة المطرية.
إن تسعيرة المياه الزهيدة شجعت على الإقدام على استنزافها وخاصة في قطاع الزراعة و ساهم ذلك في ارتفاع  المفقود من مياه هذا القطاع نتيجة سوء الاستخدام يضاف إلى ذلك إن العون المادي المباشر وغير المباشر الذي منح لهذا القطاع كان أوسع نطاقا من العون الذي يقدم لباقي القطاعات الحياتية الأخرى.
والمزارعون الذين يعتمدون على ري محاصيلهم من آبار المياه الجوفية يقومون في العادة بتشغيل نظم ريهم بأنفسهم و كثير من دول العالم النامي لا تطلب من مواطنيها ثمنا عاليا مقابل استهلاكهم للطاقة الكهربائية والديزل ويعتمد ضخ المياه الجوفية على تلك الطاقة مما يعد بحد ذاته عونا ضخما يقدم للمزارعين وإن كان بصورة غير مباشرة،فادى ذلك إلى تسارع وتيرة استنزاف المياه الجوفية.
* عن صفحة المياة والبيئة – صحيفة الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock