تحقيقات اقتصادية

وزير الصناعة السابق المتوكل: هناك إجماع في اليمن على استعادة دور الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادي

تشهد العاصمة صنعاء الثلاثاء القادم عقد المؤتمر الأول لاقتصاد السوق الاجتماعي والذي ينظمه على مدى يومين المرصد الاقتصادي للدراسات والاستشارات بالتعاون مع الوكالة الالمانية للتعاون الدولي في محاولة -كما يقول منظمو المؤتمر- لايجاد رؤية اقتصادية تنتشل اليمن من الوضع المتردي الذي وصلت إليه نتيجة عدم وجود استراتيجية اقتصادية واضحة المعالم وتناسب وضع اليمن, فرغم مرور أكثر من خمس عشرة سنة منذ بداية الإصلاحات الاقتصادية في اليمن، إلا أن الاقتصاد الوطني ما زال يتصف بتدني النمو وضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والذي يتضح من مؤشرات الميزانية العامة والميزان التجاري وقصور السياسات الاقتصادية في التعامل مع التضخم والتراجع المستمر في سعر الصرف، بالإضافة إلى ضعف التوجه الاجتماعي في السياسات الحكومية وتحيز السياسات الاقتصادية ضد النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بشكل عام.

وفقا لما يطرحه وزير الصناعة رئيس المرصد الاقتصادي للدراسات والاستشارات السابق الدكتور يحيى بن يحيى المتوكل, مستدلا على صحة ما يطرحه بارتفاع نسب الأمية وانخفاض مستويات التعليم وعمليات التحديث الاجتماعى في اليمن ، بل وغيابها فى كثير من مناطق الريف, كما تضاعفت وبشكل متسارع أعداد العاطلين عن العمل ومنهم نسبة كبيرة من المتعلمين وهو ما يتطلب تبني مقاربة اقتصادية تراعي الظروف الحالية بعيداً عن البيروقراطية والسياسيات التقليدية, معتبراً مفتاح النجاح في اليمن من خلال تبني الحكومة لاقتصاد السوق الاجتماعي.. مزيد من التفاصيل في سياق الحوار التالي:

بداية كيف تقيمون المسار الاقتصادي خلال الفترة الماضية وتحديداً منذ تبني الدولة برنامج الإصلاح الاقتصادي؟
تبين الدراسات والتقارير العديدة الدولية والمحلية حول أداء الاقتصاد اليمني خلال الفترة الممتدة منذ تبني الدولة فلسفة اقتصاد السوق الحر الليبرالي في عام 1995 م بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية وبقية الجهات المانحة، والذي تُرجم في برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، تبين وتؤكد تواضع ذلك الأداء بصورة عامة وعدم تحقيق المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي استهدفها البرنامج والخطط الاقتصادية والاجتماعية. كما شهدت البلاد في السنين الأخيرة أزمات سياسية متتالية، وتراكم التحديات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة فشل السياسات الاقتصادية في مواجهة الصدمات الخارجية كأزمة الغذاء العالمية (2007م) والأزمة المالية (2008م) ثم الأزمة الاقتصادية العالمية التي ما زالت آثارها حتى اليوم، والتي انعكست نتائجها السلبية على المؤشرات التنموية المختلفة. لذلك، ورغم مرور أكثر من خمس عشرة سنة منذ بداية الإصلاحات الاقتصادية في اليمن، إلا أن الاقتصاد الوطني ما زال يتصف بتدني النمو وضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والذي يتضح من مؤشرات الميزانية العامة والميزان التجاري وقصور السياسات الاقتصادية في التعامل مع التضخم والتراجع المستمر في سعر الصرف، بالإضافة إلى ضعف التوجه الاجتماعي في السياسات الحكومية وتحيز السياسات الاقتصادية ضد النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بشكل عام. فالمجتمع اليمنى لايزال يعاني من ارتفاع نسب الأمية وانخفاض مستويات التعليم وعمليات التحديث الاجتماعى، بل وغيابها فى كثير من مناطق الريف. كما تضاعفت وبشكل متسارع أعداد العاطلين عن العمل ومنهم نسبة كبيرة من المتعلمين.
عوامل غير مستقرة
هل يعني ذلك فشل جهود الحكومات المتعاقبة في تنفيذ برنامج الإصلاح؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي أسباب ذلك الفشل؟
رغم المحاولات المختلفة للحكومات اليمنية المتعاقبة والاجراءات الاقتصادية التي اتخذتها، إلا أنها لم تحقق نجاحاً يذكر في أي من المجالات، بل ازدادت الأوضاع تفاقماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ولتصبح واضحة للعيان، وتعبر عنها الحكومات نفسها الواحدة تلو الأخرى وتحذر من مخاطرها خاصة تزايد معدلات الفقر والبطالة. ويعكس ذلك الحال ضعف الدولة وأجهزتها وأحياناً تهربها من مسئولياتها، بالإضافة إلى أنه تم تبني التحول نحو اقتصاد السوق الحر في ظل ظروف وعوامل غير مستقرة أدت إلى الابتعاد عن العمل المنهجي والمخطط وأضفت على عملية التحول قدراً من الانتقائية في القررات والسياسات والاجراءات. بل إنه ومنذ عام 2009 حين اشتدت الحاجة والضغوط لمراجعة تلك السياسات والبحث عن بدائل تحرك عجلة الاقتصاد وتخفف من المعاناة، إلا أن الحكومة لم تلق لذلك بالاً حيث كانت مسيرة من خارجها، ولم تتمكن حتى من الاستمرار في مجاراة الأحداث والتطورات ولو شكلياً كما كانت تعمل سابقاتها، وبالتالي ظهرت عاجزة تماماً أمام تفاقم التحديات والصعوبات التي واجهتها، الأمر الذي أدخل الدولة والحكومة تحديداً في مأزق هدد شرعيتها الشعبية.
سياسات تقليدية
ستشهد اليمن عقد المؤتمر الأول لاقتصاد السوق الاجتماعي خلال هذا الأسبوع، فما علاقة ذلك المؤتمر بالأوضاع الاقتصادية التي نعيشها؟ وهل سيؤثر على السياسات التي تتبعها الحكومة؟
شهدت المنطقة العربية في عام 2011 م ربيعاً عربياً غطى بدرجات مختلفة وبشكل أو بآخر معظم دوله بما في ذلك اليمن، داعياً إلى تحقيق تغيير جوهري يؤسس لديمقراطيات حقيقية ويعالج الاختلالات الاقتصادية، وظهرت الحاجة بشكل قوي وخاصة في اليمن إلى مأسسة الدولة وبناء منظومة متكاملة وشاملة ذات طبيعة إنمائية تعمل على وضع الاقتصاد اليمني على مسار نمو مستديم يحقق الأهداف الأساسية للعدالة الاجتماعية. ولا شك أنه لا يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستراتيجيات والسياسات والبرامج الاقتصادية التقليدية التي أثبتت فشلها الذريع، ولا بد من مقاربات جديدة تراعي الظروف الحالية وتأخذ في الاعتبار الاستخدام الأمثل للموارد. لذلك، يمكن الاستفادة من نماذج وتجارب ناجحة ومنها اقتصاد السوق الاجتماعي، بما يتضمنه هذا النموذج من أسس وعناصر تلبي دعوات التغيير المنشود خاصة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، حيث أصبح هذا النموذج يستقطب اهتماماً متزايداً من الباحثين وأصحاب القرار السياسي والاقتصادي على المستوى الإقليمي والعالمي، بعد أن أدركت الدول أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به للموازنة بين الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية. {pullquote} د. المتوكل

الاستراتيجيات والسياسات التقليدية أثبتت فشلها.. ولا بد من مقاربات تراعي الظروف الحالية
اقتصاد السوق الاجتماعي يراعي تنظيم العملية الإنتاجية وزيادة الثروة للفرد والمجتمع
لا بد من التوافق المجتمعي على السياسات والقرارات الاقتصادية الهامة
{/pullquote}
اختلاف
هل يختلف اقتصاد السوق الاجتماعي عن اقتصاد السوق الحر الذي تبنته الجمهورية اليمنية منذ عام 1995؟ وما هي أهم متطلباته؟
يميل اقتصاد السوق الاجتماعي إلى الفكر الرأسمالي التقليدي مع بعض التعديلات التي جعلته يجمع بين ذلك الفكر وبين العناصر الإدارية والاجتماعية للدولة المتحكمة في الاقتصاد. ولا يركز هذا المنهج على الجوانب الاقتصادية فحسب، وإنما يهتم أيضا بالحرية والعدالة الاجتماعية، بمعنى حرية شخصية في ظل مسئولية اجتماعية، حيث يرى ضرورة الحرية كشرط لازم لتمكين الفرد من تحمل المسؤولية. وهناك الكثير من المتطلبات التي تشكل أسس ومرتكزات اقتصاد السوق الاجتماعي فلسفياً وقانونياً ومؤسسياً وإجرائياً، أهمها سيادة القانون والنظام الديمقراطي الذي يحافظ على حقوق ومصالح الفئات الاجتماعية المختلفة. وعموماً، فإن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي يعتمد سياسات اقتصادية بمضمون اجتماعي استناداً إلى التزام الدولة بالمسألة الاجتماعية، مما يعني أن السياسات الاقتصادية ليست غاية في حد ذاتها ولا خارج إطار المجتمع، بل هي تنظيم للعملية الانتاجية وزيادة الثروة للمجتمع والأفراد. وترتكز هذه السياسات على أسس فلسفية ودستورية وشعبية، وتتضمن تجديداً في وظائف الدولة وأدوارها وفقاً للتطورات في الوضع الاقتصادي الداخلي وفي النظام الاقتصادي العالمي، مما يعني إثبات حضور الدولة وفق رؤية متجددة لأدوارها. ولعل الأزمة المالية العالمية الأخيرة أثبتت أهمية دور الدولة وحضورها كفاعل رئيس في السياسة الاقتصادية ومنظوماتها الاجرائية.
دور حيادي
هل الدور التنظيمي للدولة في اقتصاد السوق الاجتماعي يجعلنا نصنفه أقرب إلى الاشتراكية؟
منذ أن انقسم العالم عقب الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين، أحدهما يتبنى اقتصاد السوق الرأسمالي والآخر يعتمد التخطيط المركزي تسيطر الدولة فيه على الإنتاج وأدواته، لم يبرز خيارٌ آخر قوي خلال تلك الفترة، باستثناء محاولات على استحياء هنا وهناك للجمع بين أفضل التطبيقات في المدرستين. غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أدى إلى فرض النموذج الرأسمالي على الجميع، رغم اختلاف التوجهات السياسية من بلد إلى آخر. وأصبح النقاش منذ ذلك الوقت يدور حول المقارنة بين النموذج الأكثر ليبرالية والنموذج المحافظ. وعاد بروز اقتصاد السوق الاجتماعي وخاصة الحالة الألمانية كنظام مفتوح ومرن يمكن تعديله وفقاً للظروف في مختلف البلدان. فنظام اقتصاد السوق الاجتماعي لا يمثل نقطة ثابتة على مقياس الأنظمة الاقتصادية، بل هو نطاق يتحرك إلى اليسار أو إلى اليمين وفقاً للاحتياجات والظروف. وتصبح أهم سمة له أنه نظام واحد يقدم كفاءة اقتصادية وعدالة اجتماعية وحماية بيئية. ويعتبر العامل المشترك والحاسم بين حيثيات الاقتصاد الرأسمالي بشقيه الليبرالي والكينيزي وبين اقتصاد السوق الاجتماعي هو دور الدولة، والذي إما أن يكون حيادياً كما نادت به الليبرالية أو تدخلياً وفعالاً كما نادت به الكينيزية واقتصاد السوق الاجتماعي. والمقصود بالحيادية هنا هو حصر أنشطة الدولة في استتاب الأمن وضمان حرية السوق وتشجيع الاستثمار والمنافسة ويترك لقوى السوق تصحيح أية إختلالات خاصة ما يتعلق بالبطالة والتضخم. وفي الحالتين، فإن الظروف الاقتصادية للدول من كساد أو نمو والأوضاع الاقتصادية العالمية تشكل المحدد الرئيسي لدور الدولة الاقتصادي بين الحيادية والتدخل، الأمر الذي يجعل من منهج اقتصاد السوق الاجتماعي لا يبتعد كثيراً عن النظرية الرأسمالية. فعند قيام دولة ألمانيا الاتحادية تطلب الأمر تدخلاً قوياً للدولة مالبث أن تراجع وأصبح أكثر حيادية لبعض القطاعات منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي مع المحافظة على الطابع الاجتماعي في جميع المراحل.
معالجة التخلف
* هل يمكن تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي على الدول النامية ومنها اليمن، أم أنه نموذج محصور على الدول المتقدمة؟
في الحقيقة، يثير بعض المفكرين والاقتصاديين سؤالاً جوهرياً حول إمكانية تطبيق منهج اقتصاد السوق الاجتماعي على الدول المتحولة من النظام الاشتراكي الشيوعي إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام السياسي الديمقراطي، كما حصل في الجمهورية اليمنية التي أعلنت في مايو 1990م. ورغم أن الأغلب يرون في النموذج الألماني لتطبيق نهج اقتصاد السوق الاجتماعي حالة تاريخية خاصة، إلا أن الأزمات التي تجاوزتها ألمانيا عبر السنين أثبتت قابلية تطبيق هذا المنهج على البلدان الأخرى. فعلى سبيل المثال، تكيفت النظرية مع الأزمة الاقتصادية الأولى في تاريخ ألمانيا الاتحادية من خلال توسيع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، بينما تطلب الأمر تعديل ذلك والحد من تدخل الدولة وتقليص العمل بالعناصر الاجتماعية أثناء الأزمة الثانية. ومع مرور السنوات، اتجهت النظرية نحو العمل بقوى السوق مع الاحتفاظ بالجوانب الاجتماعية في حدودها الدنيا. لذلك، يرى البعض بأن اقتصاد السوق الاجتماعي هو الحل لجميع الأزمات الاقتصادية، ويعتقدون أنه لو التزمت كل الاقتصاديات بمبادئ وأسس اقتصاد السوق الاجتماعي لما حدثت الأزمة المالية والاقتصادية أصلاً لأن السوق الحرة أداة غير مسئولة وقيمها الأخلاقية عمياء، وبالتالي فاقتصاد السوق الاجتماعي يعتمد على الدولة في المحافظة على النظام وإعطاء الناس الإطار الذي يطور قدراتهم وفرصهم الاقتصادية. كما أن تطبيق هذا المنهج يجعل من الممكن التغلب على التخلف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، جنباً إلى جنب مع العدالة الاجتماعية. فهذا النموذج ليس حكراً على أحد ويمكن تطبيقه في بلدان لديها خصائص مختلفة. فالأمر الهام أن هذا النظام ينشئ توازناً ديناميكياً بين مكونات العملية الإنتاجية والسياسية والمجتمعية. وباعتباره نظاماً مرناً ومفتوحاً للأفكار الجديدة والتطورات، فإنه يطمح إلى التحسين المستمر عن طريق فحص فعاليته ونتائجه من خلال المقارنات الدولية ورضا المواطن. وهنا يكون دور التقييم والمتابعة العملية والعلمية له من خلال الخبراء وراسمي السياسات الاقتصادية أمراً مطلوباً لوضعه دوماً في المسار الصحيح.
مبادئ
ماهي المبادئ والأسس التي يقوم عليها منهج اقتصاد السوق الاجتماعي ؟
يتصف اقتصاد السوق الاجتماعي بالقدرة على التوافق مع أية إيديولوجية أو فكر سياسي، ويوجه التركيز على بناء مفاصل الاقتصاد الوطني وتوفير الظروف المعيشية الأساسية للسكان. ويشمل اقتصاد السوق الاجتماعي ثلاثة جوانب رئيسية هي: المجتمع والذي يقصد به الموارد البشرية ومكوناتها القيمية وطموحاتها المستقبلية، والسوق الذي يعتمد على آلية الطلب والعرض في تحقيق التوازن الاقتصادي، وأخيراً البيئة التي تعني استدامة الموارد المادية والحفاظ عليها. وتبرز ثلاثة مبادئ عامة يستند إليها اقتصاد السوق الاجتماعي هي الروح الفردية والمسئولية الذاتية والتي تمثل المثالية الليبرالية والتي تعني أن على الفرد بذل المزيد من الجهد للحصول على التعليم الجيد والرعاية الكافية والذي يتأتى من خلال الملكية الخاصة والتنافس الحر. أما التضامن الاجتماعي فيشير إلى أن الأفراد الأكثر ثراء في المجتمع عليهم المساهمة لتحسين الفرص ونوعية الحياة للأفراد الآخرين الذين لا يستطيعون تحقيق المستوى اللائق للمعيشة. وأخيراً ، فإن التبعية للدولة تعني بأن كل ما يمكن القيام به من قبل الأفراد لا ينبغي أن تقوم به الدولة، مع المحافظة على دور فاعل للدولة بخاصة في حالات الركود والكساد أو التضخم الجامح والكوارث الطبيعية والابتكار والتجديد وحماية البيئة. ويهدف اقتصاد السوق الاجتماعي من خلال ذلك الموازنة بين مبادئ السوق ومبادئ المسئولية الاجتماعية وجعلها برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً مع ضرورة إنشاء آليات تضمن الحماية الاجتماعية إلى جانب حرية الأسواق. وبالتالي، يُعتبر اقتصاد السوق الاجتماعي توليفة سياسية اقتصادية تتجاوز آلية السوق في الفكر الليبرالي إلى مفهوم أخلاقي اجتماعي في النظريات الاجتماعية التنموية.

عوامل نجاح
– بعض الدول أوضاعها الاقتصادية مشابهة لليمن ومع ذلك استطاعت النهوض اقتصاديا ..إلى ماترجعون ذلك ؟
يعود الفضل في تحقيق الاقتصاديات التي تبنت منهج اقتصاد السوق الاجتماعي مستويات متقدمة من الرفاه وكذلك قدرة تلك الاقتصاديات على امتصاص الصدمات والأزمات الداخلية والخارجية وآخرها الأزمة المالية العالمية، يعود الفضل في ذلك إلى مجموعة المرتكزات والمقومات التي استند عليها التحول في بنائها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ لا بد من ارتكاز اقتصاد السوق الاجتماعي على دولة مؤسسات، وسيادة القانون، وتوافق سياسي ومجتمعي وخصوصاً مع الاتحادات والنقابات العمالية تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتنقسم المقومات الأساسية الداعمة لاقتصاد السوق الاجتماعي إلى مقومات متعلقة بمسئولية الدولة والتي تتحدد في الجانب التشريعي والقانوني من خلال إصدار القوانين والأنظمة، وفي الجانب السياسي والاجتماعي الذي يتطلب قيام الدولة بتعزيز القيم والاتجاهات نحو احترام حقوق الإنسان الفردية والاجتماعية والمشاركة الفردية في صنع القرار السياسي وتوفير الخدمات الاجتماعية لصيانة التوازن الاجتماعي وتشجيع المسئولية الذاتية لأفراد المجتمع، بالإضافة إلى التدخل عندما لا تتمكن المبادرات الخاصة أو التكافل والتضامن من معالجة المشاكل والصعوبات التي يواجهها الاقتصاد أو المجتمع. أما الجانب الاقتصادي في دور الدولة فيستدعي اهتمامها بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وخاصة في التزام نظام مالي وضريبي كفؤ وفعال يوفر للدولة الموارد الكافية للقيام بواجباتها، وتبني سياسة نقدية ومالية تحقق الاستخدام الأمثل للموارد وتوفر الاستقرار الاقتصادي واستقرار الأسعار وسعر الصرف، وتطبيق نظام للمراقبة في ظل حرية الأسواق وآلية الثمن والتصدي للمخالفات وتصحيح التشوهات، وتوفير السلع العامة لاسيما في التعليم والتدريب والصحة والنقل والبنية التحتية، باعتبار الإنفاق الاجتماعي استثماراً في رأس المال البشري ويعزز النمو الاقتصادي. أما بيئة النشاط الاقتصادي فتشترط تواجد الجهات الفاعلة والمستقلة في النشاط الاقتصادي واستعدادها للمشاركة وتطوير النشاط الاقتصادي وإيجاد الوسائل للتغلب على كافة الخلافات بين شركاء التنمية.
ويحدد النظام تلك الجهات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتماع المدني والنقابات العمالية والمؤسسات العامة المستقلة ومراكز الدراسات والأبحاث، كما تحدد لكل منها دوراً ومهاماً أساسية تتحمل مسئوليتها.
حوار اقتصادي

ما هي طبيعة العلاقات والمسئوليات التي يحددها اقتصاد السوق الاجتماعي للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين؟
– رغم أن الدولة معنية أولاً وأخيراً برعاية المجتمع، فإن مؤسساتها وأعمالها لن تكون ناجحة إذا لم تدخل في حوار مستمر مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين مثل المؤسسات التمثيلية للقطاع الخاص والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني من جماعات الحفاظ على البيئة وجمعيات حماية المستهلك وغيرها. فالضغوط لتغيير دور الدولة تأتي من مصادر ثلاثة تتمثل أولاً في المواطنين الذين يريدون وجوداً أكبر للحكومة والاستجابة لمطالبهم واحتياجاتهم، والقطاع الخاص الذي يطالب بحرية أوسع للأسواق وقوانينها وأخيراً تأثيرات خارجية عن تطورات وإتجاهات اجتماعية واقتصادية عالمية أو إقليمية. كما يعتبر الحوار مع الأحزاب السياسية وداخلها أمراً ضرورياً لإشراكها في صنع القرار وخاصة القرارات بعيدة المدى. وبالتالي، وفي ضوء هذه الحوارات تقوم الدولة بمراجعة دورها على صعيد النشاط الاجتماعي والاقتصادي، سواءً بإعادة توجيهه وتشكيله أو تقليصه أو توسيعه. ويؤكد اقتصاد السوق الاجتماعي على ضرورة التوافق المجتمعي على السياسات والقرارات الاقتصادية الهامة. ويعترف اقتصاد السوق الاجتماعي بوجود الآخر وبفاعليته، ويقدر أن مصالحه الاقتصادية مشروعة ويلزم تقديم الحلول لها والوصول إلى تسويات تنعكس على السياسات والقرارات الاقتصادية. فالشراكة المجتمعية سمة بارزة لاقتصاد السوق الاجتماعي تترجم في الاستعداد للتفاوض والتوصل إلى حلول وسط، ولذلك، تجري الحكومات مشاورات قبل إصدار القوانين أو تبني سياسات من شأنها التأثير على الأوضاع والمصالح الاقتصادية والاجتماعية أو البيئية، فضلاً عن مسئوليتها في تقديم الحلول تجاه حاجات المجتمع وقضاياه.

إجماع
* لماذا تدعون إلى التحول في اليمن نحو اقتصاد السوق الاجتماعي؟

– أجمعت الفعاليات اليمنية التي تناولت فلسفة وسياسات اقتصاد السوق الحر على أن دور الدولة في اليمن يجب أن يتعزز في النشاط الاقتصادي والاجتماعي عموماً، وتحديداً نحو تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، ولتستعيد دورها في مجالات تخلت عنها. كما يجب أن تكون الدولة معنية وبشكل مباشر بالتوازن الاقتصادي والإشراف على توفير السلع والخدمات العامة وإقامة البنى التحتية وقيادة جهود العلم والتقانة، وخاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية الداخلية والخارجية. ويتطلب هذا التغيير والدور الجديد للدولة البحث عن إطار نظري يتجاوز النظريات المطبقة حالياً تستند إليه، ومن ثم وضع الإطار العام للنشاط الاقتصادي والاجتماعي وحدود تدخلات الدولة وسن القوانين والنظم وإعادة صياغة مجمل السياسات وتحديد علاقاتها مع المواطنين. ويجب أن تدفع الدولة بالنشاط الاقتصادي من خلال إعطاء حيز واسع للقطاع الخاص وتعزيز إمكانيات المؤسسات والأفراد وكذلك المسؤولية الذاتية للمواطنين في النشاط الاقتصادي دون أن تغيب كلياً عنه، وتفويض بعض الرقابة لمنظمات المجتمع المدني. ويمكن النظر إلى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي باعتبار أن جوهر التغيير والتحول نحوه يكمن في الإدارة الفعالة للنشاط الاقتصادي، وبالتالي نبحث عن التنظيم المناسب للنشاط الاقتصادي. وكيف يتحقق هذا التنظيم ومن أجل من أو من هو المستفيد. ويتطلب نجاح أي سياسات جديدة رؤية تنموية ناضجة يتم تصميمها بما يلائم ظروف البلاد وواقعها الاجتماعي والثقافي وبيئة النشاط الاقتصادي، إضافة إلى تحفيز الدورالاقتصادي والاجتماعي للقطاع الخاص. ويجب أن يكون دور الدولة مرناً ومتغيراً وفقاً لكل حالة ومرحلة يمر بها الاقتصاد، وفي ضوء التطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تتطلب مراجعة مستمرة للسياسات ودون الإخلال بالأسس والمرتكزات التي تتبناها الدولة، بما في ذلك الشراكة الثلاثية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وخاصة نقابات العمال، لتتضافر الجهود لرسم ملامح التحول الاقتصادي وتحقيق تطور حقيقي ينعكس في نمو اقتصادي مضطرد وتحسين مستمر لمعيشة المواطن وتوفير فرص العمل.

* نقلاً عن صحيفة الثورة

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock