تحقيقات اقتصادية

النساء يبتكرن وسيلة لتبريد المياه بيوت تهاميه من قش .تبدعها اياد ماهرة في اليمن

أنامل مبدعة وماهرة لاتمل من عملها المشوق للابداع وهي تختصر عناصر الجمال في لمسات بسيطة وخفيفة بطرق تقليدية وغير مكلفة البناء بالقش لما بات يعرف في منطقة تهامه غرب اليمن « العشة ــ الديمة ــ والبناء ذو نكهة ساحلية فريد في هندسته وابداعه المثير.
ففي منطقة تهامه غرب اليمن ترى العجب وتلمس الأنامل الناعمة وهي تبني بيوت من قش قد تسمى عشش ..وهي في مظهرها الجمالي الخارجي والداخلي تعكس نفسية طيبة لدى الاهالي وهم الين افئدة وارق قلوبا واعمالهم المنزلية المبسطة توقف السياح لحظات تأمل وترسم على وجوهم اكثر من علامة تعجب.. يقفون أمامها  مسحورين .. يتأملونها كالحالمين.. يلتقطون لها الصور الكبيرة ليثيروا بها أعجاب أهاليهم وأطفالهم الصغار..التفاصيل في التحقيق التالي :-
بداية يقول الفنان المعماري الحاج احمد بن عبد الله ان أبناء تهامة غرب اليمن او في الساحل الغربي  يرسمون ابتكاراتهم الرائعة في منازلهم القشية أو من خلالها يصنعون وهج حضارتهم ويخلدون فلكلورهم الشعبي.. ففي بنائهم لمساكنهم القشة يفاجئونك ببساطتها وحلاوتها.. 

ويضيف الحاج احمد في الستين من عمره: هذه »البيوت« تختلف من منطقة إلى أخرى حتى التسمية ففي الجهة الشمالية لها تسمية وكل جهة لها تسمية ــ ولكن  المنزل كلمة معممة عندنا في بطن تهامة من بيت الفقيه حتى الخوخة
 فالمساحة دائرية في الغالب وحسب الاحتياجات الخاصة للأسرة وتركيبها دائرياً ومحاطاً بجدار من اللبن والخشب واحياناً بنسيج الاحجار ونجد سعف النخيل هو الاكثر حضوراً بقوة فيها فيزيد المكان سحراً ونشوة ومتعة.
   ويقول المهندس عبد الله عبادي ان الطين يجعل » العشة او البيت « باردة جداً وهذا هو الافضل، وطرق البناء لاتتغير مهما تعددت الاغراض وتفاوتت اعداد الغرف وعملية البناء تستغرق 51 يوماً إذا توفرت كافة المواد المستخدمة.
ويضيف المهندس عبد الله : يعتمد البناء على المساحة ومدى توفر المواد المستخدمة فالديمة على شكل هرم من أعلى ــ تبنى من الاحجار الصغيرة متداخلة بعضها ببعض مع الطين اللازب.
    اما  الحاج احمد يرى انه لضمان الثبات الدائم يتم ربط »العشة « بألياف من حبال الدوم.وتستخدم الغرف لأغراض متعددة.. » بيت للمعيشة وأخرى للنوم، وآخرى لإعداد الطعام »مطبخ« وتحتوي العشش على سجادة يتم نسجها محلياً من اصواف الماعز تغطي الارضية ويعكس نموذجها فرادة وجمال التصميم.

لمسات نسائية  
   ويشاهد المرء في البيوت التهامية الحضور المميز للمرأة اليمنية التي تعمل ببراءة حيث تقول زهراء حمود : للنساء في تهامه دورهن الداخل لهن لمسات بترتيب وتجهيز البيوت وللمرأة دورها الملون المشابه  للسقف كأن العمل هنا لوحات تشكيلية بديعة وذات الوان متألقة التشكيلات ورسومات ونقوش وغيرها من الصور المرتبطة بحياتهم الاجتماعية واليومية.
وتضيف زهراء التي تنحدر من تهامه وتعيش حاليا في صنعاء ان سقف وجدران »البيوت التهامية « ترص أوتاد خشبية تستخدم لتعليق الاطباق المزخرفة والمرايا والسلال المصنوعة ــ محلياًــ من سعف النخيل.
ان هذا الجمال والإبداع والمهارة في بناء »العشش والبيوت « يكون طبيعياً وسهلاً في تهامة.. ولايشبه البناء في الأراضي المرتفعة وكذلك امتداد البناء في الغالب إلى الأعلى.. وتكون المباني القشية دائرية وشبيهة بالقباب.

تغيير المنسوجات
   ويرى المختصون بالبناء هنا ان ألق وتجدد جمال تلك المباني القشية يزداد من حيث تنوع وتغير المنسوجات داخل جدرانها.. كما انه تتم إعادة بنائها كل خمسة عشرعاماً.. واحياناً تتم صيانتها كلما تطلب الأمر.وتبقى تلك البيوت ذات مسميات عديدة ومنها»العريش ــ العشة ــ الديمة ــ السقيفة ــ الإيوان ــ الديوان…«.
حيث يقول البناء عيسى الزبيدي ان هذه البيوت اينما وجدت صارت سمة واضحة لحالة الفقر التي يعانيها ساكنوها كذلك العشة هما شكل واحد عبارة عن مبنى من الطين على شكل دائرة من الاسفل وعلى شكل هرم من أعلى السثقف والفرق بين »العشة« و»الديمة« أمر بسيط وهو ان البناء الدائر من أسفل للعشة تتخلله الحجارة الصغيرة المتداخلة في الطين بينما »الديمة« لايتخللها أي من أحجار ، بل هي من الطين اللازب الذي تتخلله نشارة الحب المسماة بـ العصف  أو  الحماط« باللهجة التهامية ودوره في عملية البناء نفس عمل الاسمنت وينوب عنه في بعض المحلات والمناطق كمحافظة مأرب عناقيد الاثل وغير ذلك.
ابداع وتميز
اما البناء الشعبي علي  مرعي  يحكي لنا تفاصيل دقيقة عن تلك البيوت القشية قائلاً: بصراحة إني أرى ان اغلب االزوار يسمونها»الاكواخ« وهذا ليس صحيحاً، فنحن لنا تسميات معروفة فهي : الديوان ــ الايوان في زبيد والعشة والديمة والسقفية ــ المبرز وغيرها من التسميات ولكن هذه التسميات هي الاكثر انتشاراً.
فعملية البناء لـ »العشة« أو »ًالعريش« أو »السقيفة« تعتمد بدرجة أساسية على الاساسيات وتوفر مواد البناء المطلوبة كما يقول ذلك مرعي وثانياً توفير المساعدين في البناء.
فإذا توفر الاثنان تكون عملية البناء قصيرة جداً,فمثلاً السقيفة تحتاج ثلاثة أيام في اكثر الاحيان، بينما العشة والديمة مدتها لاتزيد عن خمسة عشر يوماً وتجده يبقى لاكثر من عشرين عاماً للديمة والعريش.. فالأمطار والبرد والحر الزمهرير لايؤثر بداخلها.
ويستمر مرعي في سرد كيفية عملية البناء باخماد الطين الدقيق التربة بالماء الغامر ثم توضع عليه نشارة الحب ــ الدخن »الحماط« ويتم عجنه بالأرجل لفترة تصل إلى نصف ساعة، بعدها تبدأ عملية الحفر بشكل دائري يصل إلى 005 سم وتبدأ بدورة كاملة بهذا الطين المتماسك ويتم الانتظار حتى اليوم الثاني إذ »يجف« وهكذا حتى يرتفع الجدار إلى مترين، وبعدها يبدأ العمل في السقف الذي يحتاج إلى اكثر 52عموداً خشبياً قوياً وحبال ملونة ــ معمولة من عسف النخيل »ضفائر« ويأتي بعدها »القش« وتجد العاملين يعملون بنشاط وحيوية
صناعة يدوية
وهكذا ترى كما يقول السياح منازل أهل تهامة غاية في البساطة.. بنته أيدي النساء .. بمجموعة من الغاب المحلي ربطتها من الداخل بحبال من القش التي غزلتها أيضًا بيدها.. بين كل حبل دائري وآخر حوالي نصف متر.. ثم كست هذا الغلاف الذي يشبه المخروط أو القمع المقلوب بطبقات من القش.. وربطت أعلى المخروط بحبل سميك.. وجعلت للعش بابا صغيرا من القش المقوى بسعف النخيل .
وتقول خديجة كامل من تهامه عندما يدخل المرء الى البيت  حتى يشعر بتغيير كامل في الطقس.. فالحرارة الشديدة بالخارج قد خفَّت حدتها كثيرًا.. وفي الليل تأتيك نسمات منعشة تجعل نومك هادئًا سعيدًا لا ينغصه إلا لسعات من بعوضة هنا أو هناك.
ولا تعاني نسوة تهامة بحسب خديجة من ضيق المكان.. فما إن يبلغ الأطفال سن التفريق في المضاجع حتى تبني الأم لكل ولد من أبنائها بيتًا أو عشًا مجاورًا.. كما أن بيت الزوجية هنا ليس مشكلة كبيرة مثلما هو الحال في البلدان العربية المختلفة.. فالغاب والخوص وسعف النخيل والحطب متواجد هنا .. كما أن الصحراء وحرارة الشمس جعلت السواعد البانية فتية، والهمم العالية متحفزة للمساعدة .
ثلاجة بسيطة
وعندما تدخل البيت تجد كل شيء بسيطا.. ليس هناك ازدحام يحجب الهواء.. ويجعل الصيف حارًا خانقًا .. فالأسِّرة مصنعة كذلك من الخوص أو من سعف النخيل.. وهي عبارة عن مستطيل له أرجل أربع.. ملأت ربة البيت القوائم العلوية فيها بحبال من القش جدلتها بنفسها.. أو اشترتها من نسوة جدلنها وافترشن سوق القرية يبعنها.. هذه الأسرة بالإضافة إلى أنها صحية لأنها تريح العمود الفقري، فإنها كذلك تتلاءم مع حرارة الجو، خاصة أثناء النهار .
برادات طبيعية
أما عملية التبريد في منطقة تهامه فتأتي من غير استخدام “الثلاجة” الطبيعية، حيث تستخدم قِربة مصنوعة من القرع العسلي المجوف.. أو من الخشب المنحوت والمفرغ.. وقد ابتكرت نساء سهل تهامة وسيلة لتبريد المياه والمحافظة على برودتها أطول فترة ممكنة.. فترى هذه القرب قد اكتسين من الخارج بقطعة من ” ممكنة دالكتان.. وقمن بوضعها في الهواء الطلق ليلاً.. فتحتفظ بالماء باردًا معظم ساعات النهار.
كماتساعد النساء في تهامه أزواجهن في تسوية الأرض وحرثها وتهيئتها للزراعة.. وتسير مسافات طويلة في مجموعات نسائية لملء قرب الماء من العيون الجبلية التي تمتلئ بالمياه العذبة بعد هطول المطر.
ويقول زوار تهامه : تبني النساء منازلهن من القش ثم غزلعا من الداخل واضافة الالوان عليها .. وبهذا الأسلوب تغلبن على حرارة الصيف.. و مع كل هذه البساطة اشتهرن على مستوى اليمن كلها بطيبة القلب ونقاء السريرة.. حتى أصبح أهل تهامة مضرب الأمثال في الطيبة والبساطة والبعد عن الهموم.
 وفي تهامه  يعتبر فصل الصيف بالنسبة للرجال والنساء أكثر فصول السنة عملاً وجدًا.. وفي كل يوم من أيامه الحارة تعلمنا نسوة اليمن “العاملات” درسًا جديدًا بليغًا من دروس فن البساطة في الحياة والعمل المنزلي وكيفية استخدام الدخل الاسري وترشيده .

 

* رئيس التحرير

* مقال تم نشره في صحيفة دنيا الاتحاد الاماراتية 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock