تحقيقات اقتصادية

الاهمال وراء السرقات المتكررة لذاكرة الشعب اليمني ..متحف عدن في اليمن بين غزارة المحتوى والنهب

 

في اليمن بدأ الاهتمام بإنشاء المتاحف منذ وقت مبكر نوعاً ما، حيث تأسس متحف عدن في العام 1930م كأقدم متحف يمني، وبعد حوالي أربعين سنة تقريبا أنشئ المتحف الوطني بصنعاء، وتوالت عملية إنشاء المتاحف الوطنية والموروث الشعبي في بعض المحافظات..لكن هذه المتاحف لا تلبي الاحتياج الفعلي لليمن الذي مساحته أكثر من 555 ألف كيلو متر مربع وعدد سكانه يزيد على الـ 21 مليون نسمة، ومحافظاته 21 محافظة تتبعها مئات المدن والقرى.
متحف عدن الذي  تأسس عام 1930م، وكان تحت اشراف سكرتارية حكومة عدن البريطانية، ومقره في منطقة صهاريج الطويلة، وشملت معروضاته الآثار القديمة والاسلامية والتراثية، ومنذ عام 1966م صار متحفاً للعادات والتقاليد، وظل كذلك حتى عام 1987م حيث نقلت محتوياته الى مبنى المتحف الوطني بعدن الذي  كان موقعه في التواهي أسس من تبرعات أبناء عدن، وقد افتتح في 1967م رسمياً، وعرضت به القطع الأثرية القديمة والتي نقلت من متحف عدن، وهي في أغلبها من مجموعة (كيكي منشرجي) التي اشترتها حكومة عدن في 1960م من هذا التاجر الفارسي (الذي كان يعمل بتجارة الآثار وغيرها) وذلك بمبلغ 15.000 جنيه..وقد ظل المتحف الوطني حتى عام 1982م في مقره بالتواهي، ثم نقلت محتوياته إلى قصر أكتوبر (قصر البراق) في كريتر حيث المتحف الوطني – عدن الآن التفاصيل في  التحقيق التالي

يعد المتحف الوطني للآثار بعدن ـ نواة المتاحف في اليمن والجزيرة العربية لما يتمتع به من خصوصية وتفرد، وما يحتويه من لقى أثرية وكنوز وتنوع خصب يؤرخ لحقب متعددة من التاريخ.
حيث يشير الدكتور أحمد أحمد باطائع والدكتور محمد بافقيه في أحد مؤلفاتهما إلى أنه نتيجة  لانتشار مناطق الآثار في اليمن شجع ذلك شبكات تجميع الآثار التي عملت على جمع ونقل الآثار إلى عدن حيث يوجد تجار وسماسرة الآثار، ولكثرة الطلب عرفت عملية تزوير القطع الأثرية والتي لا يلاحظها التجار أو بحارة السفن المارة بميناء عدن، والذين يقومون بنقلها إلى بلدانهم وبيعها هناك.
ويضيف الدكتور محمد بافقيه في مؤلفه المستشرقون وآثار اليمن – 1988م ” لهذا نجد الآن كميات كبيرة من النقوش والقطع الأثرية في حوزة المتاحف العالمية ولدى أرباب المجموعات الأثرية الخاصة”.
ويسرد بافقيه هذه المتاحف التي منها :” متحف بومباي (الهند)، ومتحف هامبورج (ألمانيا)، ومتحف اسطنبول (تركيا)، والمتحف البريطاني بلندن (بريطانيا)، والمتحف الأشمولي أكسفورد (بريطانيا)، ومتحف اللوفر (فرنسا)، والمتحف الوطني في روما (ايطاليا)، ومتحف فينا (النمسا)، ومتحف برلين (المانيا)، ومتحف برمنجهام (بريطانيا)، ومتحف جامعة كامبردج (بريطانيا)، ومتحف فيتزوليم كامبردج (بريطانيا)، ومتحف الايرميتاج ليننجراد (روسيا)، ومتحف مانشستر (بريطانيا)، ومتحف بنسلفانيا (الولايات المتحدة الأمريكية)، ومجموعة دمبرتون أواكس في واشنطن (أمريكا) وغيرها من المتاحف .
تماثيل رخامية
و في عدن حاضرة اليمن الاقتصادية والتجارية وملتقى قارات العالم القديم يوجد فيها العديد من المواقع الأثرية والتاريخية وهناك العديد من الاكتشافات للمئات من القطع الأثرية التي تتمثل في ألواح وتماثيل رخامية ونقوش وعملات ذهبية وفضية وغيرها من القطع المهمة،  لذلك فمحافظة عدن تحتاج إلى أكثر من المتاحف للاحتفاظ بتلك التحف الأثرية والمخطوطات، فمتحف واحد لا يكفي.
تقول الدكتورة رجاء باطويل مديرة الهيئة العامة للآثار والمتحف الوطني بمحافظة عدن  ان المتحف الوطني للآثار بعدن الذي اقتتح في عام 1930م  يحتوي على العديد من القطع الأثرية التاريخية تتمثل في ألواح وتماثيل رخامية ونقوش وعملات ذهبية وفضية وبرونزية وتماثيل أخرى من البرونز بالإضافة إلى قطع أثرية تخص (عشيرة ملوك أوسان) والتي غادرت المتحف للمشاركة في المعرض الدولي في باريس تحديدا في معهد العالم العربي عام 1997م وجابت تقريبا معظم الدول الأوربية.
وعادت الى متحف عدن (21)  قطعة أثرية نفيسة بعد ترحال طويل استغرق عشر سنوات، شاركت خلالها  في المعارض الدولية التي اقامتها المتاحف الدولية في العالم الأوروبي، بغية تعريف شعوب تلك الدول بحضارة اليمن التليدة.
 وضعت صورة عن الفنون والعادات والتقاليد الحضارية .. وغيرها وكذا على ما تميز تلك الحضارات عن غيرها بالاضافة الى ما احدثته من تاثير وتاثر مع الاحتفاظ باصالتها التي تميزت بها عن غيرها من تلك الحضارات .
  و القطع المشاركة في المعارض نماذج مختلفة تعود لفترات زمنية مختلفة وكلها في نطاق التاريخ اليمني القديم- سواء كانت لسيرة ملوك أوسان ومليكهم مؤسس العشيرة الملك “يصدق ايل فرعم” وهي من حجر “الالبستر” الرخام الذي يسمى حجر البلق،
و من بين القطع الأثرية العائدة بعض الحلي الاوسانية التي هي عبارة عن قلادة وخاتم وختم من ذهب واحجار كريمة. وهذه القطع الاوسانية تميز بها متحف عدن، وتمثل مملكة اوساتن بين القرن الثاتي الى القرن الاول بحسب ما تم الكشف عنه حتى اللحظة. كما ان هناك بعض القطع التي تميز المتاحف اليمنية بالاضافة الى المذابح والقرابين المنحوتة سواء كانت من حجر البلق او حجر الاليستر بالاضافة الى قطعتين مهمتين إحداهما من البرونز تمثل امرأة من شبوة ذات شأن وهي السيدة “برءاة”، اضافة الى امرأة من الحجر الجيري وتمثل امرأة ذات شأن من الضالع.
الدكتورة رجاء باطويل مدير عام الهيئة العامة للاثار والمتاحف قالت قالت ان من ضمن القطع المشاركة تاج عمود لقصر منحوت عليه الأسد المجنح، وهو ما قالت عنه أنه يوضح تأثير الحضارات لاخرى (آشور وبابل وغيرها) حيث أنه مزين بأوراق الكرم، التي تؤكد ان اليمن تميزت بزراعة العنب بأنواعه التي تزيد عن 200 نوعاً ودخلت في الصناعة، بالاضافة الى غيرها من القطع الاثرية الهامة الي شاركت في تلك المعارض.
 كما يحتوي المتحف على عدد من قطع الحلي والفضة النادرة والأحجار الكريمة وبعض الأدوات والآلات المختلفة والأغراض الجلدية والخشبية والفخارية والأزياء الشعبية اليمنية النادرة والأسلحة التقليدية كالرماح وصك من العملات ونماذج أخرى في عدن خلال فترة الرخاء والازدهار.
ويضم المتحف بعض القطع المهداة والمشتراة من بعض (هواة وجامعي التحف) وكان ذلك بعد الاستقلال بالإضافة إلى بعض الشخصيات الاعتبارية التي قامت بإهداء المتاحف ببعض القطع القيمة وكان ذلك في بداية الثمانينات،موضحة أن جميع تلك المصادر موثقة ومسجلة في السجلات المتحفية ويعود أقدم توثيق وتسجيل إلى عام 1938م.
  مديرة الهيئة العامة للآثار والمتاحف بعدن تؤكد ايضا  أن تاريخ جميع هذه القطع يعود إلى فترات قديمة مختلفة تتحدث عن تاريخ مسلسل علمي منها ما هو يمني أصيل ومنها ما تأثر بعلاقة اليمن مع القرن الإفريقي حتى وصل إلى جزيرة “بريليوس” اليونانية وحضارة الهند والصين والفرس واليهود وغيرها من الأجناس التي سكنت عدن وامتزجت تلك الثقافات مع الاحتفاظ بخصوصياتهم.
بعثات وتنقيب
 هذه القطع كما تقول الدكتورة رجاء باطويل تم الحصول على معظمها من خلال البعثات الأثرية التي زارت ونقبت في اليمن منها البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان عام 1950 – 1952م برئاسة “وندل فليبس” و”بعثة انجرامس” البريطانية وبعثة” جام وبعثة طومسون “و”بعثة مسترادود” و”البعثة الفرنسية” برئاسة البروفيسور الدكتورجاكلين بيرن ثم” البعثة الفرنسية” برئاسة “جون فرانسوا برتيون” وكذا “ريمي ادوانو البعثة اليمنية الروسية المشتركة برئاسة المركز اليمني للأبحاث الثقافية وإدارة الآثار والبروفيسور الدكتور بطرس جريز نيفتش.
و بعدها استمرت الأعمال المشتركة برئاسة العالم اسكندر سيدوف ثم البعثة اليمنية الألمانية الروسية المشتركة برئاسة الدكتور فوكت ثم البعثة الوطنية اليمنية بكادرها اليمني المؤهل التي تعمل في كثير من المحافظات .
مشاركة دولية
     وقد شاركت هذه القطع في المعارض الخارجية ومنها معرض الكويت والقاهرة وموسكو وارمينيا ومعرض العالم العربي (باريس – المانيا – السويد – اسبانيا – نيويورك) وغيرها من عواصم الدول الأوربية” بالإضافه إلى مشاركتها على المستوى المحلي في معرض الصورالقديمة لمدينة عدن في وزارة الثقافة ومعرض الصور في مكتبة باذيب للبعثة الفرنسية اليمنية المشتركة ومعرض أهم القطع النقدية (العملات) في متحف الآثار بعدن ومعرض الصور القديمة للمعالم والمواقع الأثرية في عدن ومعرض عن التراث من الأزياء الشعبية ومعرض لنتائج حفريات وادي ضراء في محافظة شبوة والذي أقيم في متحف عدن ومعرض خاص عن دور الحضارة اليمنية وعلاقاتها التجارية مع العالم القديم ومعارض مختلفة عن دور اليمن التجاري وعلاقاتها بالعالم الخارجي القديم (خاص بالعملات .
تأهيل المتحف
وفي مارس 2007م رصدت السلطة المحلية بمحافظة عدن  مبلغ مليونين و200 ألف ريال لمشروع ترميم وتحسين ملحقات متحف عدن للآثار وقالت مصادر في السلطة المحلية : أن هذا المبلغ خصص لجوانب التحسين والتأهيل لأقسام المتحف المختلفة والتي تتوفر فيها قطع تاريخية عديدة وشواهد كثيرة على الحضارة التاريخية اليمنية القديمة ..
ويؤكد عبد القوي ناصر من موظفي مدينة عدن بأن متحفاً واحداً لا يكفي، لحصر موروث وتاريخ محافظة لها مكانتها التاريخية والاستراتيجية مثل عدن، ويجب إن يكون فيها  أكثر من متحف لان هناك الكثير من التحف الأثرية القديمة والقيمة والهادفة والتي لا توجد مثلها في المحافظات أو حتى في الدول العربية، ويجب الخوف عليها من الضياع أو السرقة  ويتم الحفاظ عليها في (أم العين)، فهذه التحف تعود إلى فترات قديمة ومختلفة تتحدث عن مسلسل علمي منها ما هو يمني أصيل ومنها ما تأثر بعلاقة بلادنا مع  القرن الأفريقي حتى وصل إلي جزيرة (بريليوس) اليونانية وحضارة الهند والصين والفرس واليهود وغيره.
نهب وسلب
ومن المؤسف كمايقول المسؤولون في فرع الهئية العامة للاثار : ان المتحف الوطني في عدن قد تعرض للنهب والسلب في الحرب الاهلية  التي وقعت في صيف عام 1994م بين قوات الشرعية التابعة للرئيس اليمني علي عبد الله صالح وقوات الحزب الاشتراكي بقيادة علي سالم البيض وبعد ذلك تم استعاد قطعة أثرية قيمة بعد حوالي 12 عاماً من سرقتها وتهريبها الى الولايات المتحدة الامريكية أثناء الحرب الاهلية في صيف عام 1994 .
ويعود تاريخ القطعة الاثرية المسروقة المستعادة الى عهد الدولة القتبانية القديمة قبل الميلاد والتي بلغت 60 قطعة نادرة استعيد منها 15 قطعة وبعد غياب حوالي 12 عاماً استعيد قطعة مصنوعة من حجر البلق المعروف علمياً بالالباستر والذي يعرف حالياً بالرخام.وقد سجلت في عام 1957 في متحف عدن ,
وتقول الدكتورة باطويل ان  القطعة الاثرية كانت قبل سرقتها سليمة لكنها أصيبت جراء سرقتها بشرخ في الجانب الايسر منها مما يؤثر على قيمة مثل هذه القطع النادرة .. وجاء استعادة القطعة المسروقة التي هربت الى أمريكا عن طريق مهربين يحملون الجنسية اللبنانية بموجب اتفاق ابرم بين السلطات اليمنية المختصة والسلطات الامريكية والانتربول الدولي والذي بمقتضاه فتح ملف استرداد للقطعة المهربة التي عثر عليها أثناء محاولة بيعها في احد المزادات في نيويورك.
..وسرفة اخرى   
وفي يوم الثلاثاء, 28-أبريل-2009م ظهرت فضيحة أخرى بعد ان ألقت الأجهزة الأمنية بمدينة خور مكسر محافظة عدن القبض على مدير المتحف الوطني -53 عاماً-  حيث كشفت التحقيقات تورطه في بيع 864 قطعة من العملات النقدية الذهبية الأثرية كانت موجودة في خزينة المتحف الوطني.
  مصادر أمنية قالت أن المتهم باع تلك المجموعة النادرة من العملات الذهبية لتاجر في محافظة عدن يبلغ من العمر 40 عاماً، مشيرة إلى أنها ضبطت بحوزة التاجر سجل يوضح عملية الشراء التي تمت بينه وبين المتهم (مدير المتحف).
في غضون ذلك أعربت وزارة الثقافة عن صدمتها جراء هذا الجريمة التي تمثل استهدافا لذاكرة شعب و ثقافة وطن و تاريخ بلد ، مؤكدة تواصل جهودها مع الأجهزة المعنية حتى يتم استعادة هذه العملات النقدية الذهبية النادرة.
و أوضح وزير الثقافة الدكتور محمد أبوبكر المفلحي ان الوزارة تلقت في الـ23 من ابريل الجاري بلاغا من رئيس الهيئة العامة للآثار و المتاحف عن اختفاء 864 قطعة من العملات الذهبية الأثرية من المتحف الوطني في عدن، و بناء على ذلك قامت الوزارة بإبلاغ الأجهزة الأمنية بالقضية.
و أضاف:” كما تم تشكيل غرفة عمليات للتواصل و متابعة الأجهزة الأمنية،و كذا تم تشكيل لجنة برئاسة رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف و مديري الشؤون القانونية في الوزارة والهيئة للتحقيق في القضية لمعرفة الملابسات و اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة “.
 ويبدو ان الإهمال وراء السرقات المتكررة لذاكرة الشعب اليمني في المتاحف كما هو الحال بالنسبة لنهب وسلب متحف عدن الوطني مما يستلزم تنبه الجهات المختصة لما بات يعرف بمافيا تهريب الاثار والتجارة غير المشروعه بمعالم الشعب اليمني والعمل على حمايتها وصونها كملكية عامة خاصة بشعب الحكمة اليمانية كما ان متحف عدن بحاجة الى دعم مالي حتى يؤدي الدور المنشود منه.

 

خاص

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock