تحقيقات اقتصادية

الدكتور موسى علاية: نجاح دعم المانحين مرهون بالاستفادة من الأخطاء السابقة ورفع القدرة المؤسسة لاستغلال التعهدات

‮ ‬85٪‮ ‬من المشاريع الدولية لم تنجح في‮ ‬تحقيق أهدافها خلال الـ ‮(02‮) ‬السنة الماضية
‮> ثقافة الشخصنة قتلت الإبداع لدى المستويات الوظيفية وحولت القادر على الإنتاج إلى مستهلك‮ ‬ينتظر ما‮ ‬يُمْلَى عليه من قاداته الإداريين
‮> مشكلة الإدارة تكمن في‮ ‬تهميش العمل المؤسسي‮ ‬العام والخاص والتعاطي‮ ‬الإداري‮ ‬وفق عوامل شللية سياسية وقبلية وعسكرية‮
‮> القروض استنزاف للمستقبل إذا لم تُحَقّق أهدافها التنموية بدقة ووفق المعيار الزمني
‮> على الدولة تحمل مسئوليتها التنموية والتوقف عن القروض ذات الأبعاد الربحية الكارثية والصرامة الإدارية في‮ ‬توظيف المساعدات الانسانية‮ ‬

ادارياً،‮ ‬ومؤسساتياً‮ .. ‬بين اليمن وبعض دول العالم مسافة لا تحسب بالحقب بل بالقرون‮ . ‬فغياب رئيس الوزير اليمني‮ ‬كفيل بغياب معظم‮ – ‬إن لم نقل‮ – ‬كل الوزراء عن وزراتهم،‮ ‬وحضوره لمجرد فعالية ما‮ ‬يعني‮ ‬حضور كل الوزراء‮.. ‬وغياب الوزير اليمني‮ ‬يعني‮ ‬تجميد كل معاملات أعمال الوزارة وذهاب معظم طاقم الوزارة إلا من استوقفه داعي‮ ‬الضمير‮.. ‬فما بالنا لو أقيلت الحكومة‮.. ‬نقيض ذلك أن بلجيكا قضت حوالي‮ ‬سنة وستة أشهر من دون حكومة‮.. ‬وهولندا الآن تعمل بدون حكومة‮.. ‬فيما العمل الإداري‮ ‬قائم في‮ ‬كل مساراته الخدمية والإنتاجية‮.. ‬والسؤال هو أين الفارق بين اليمن وتلك الدول‮.. ‬الباحث في‮ ‬التنمية الدولية‮ ‬موسى علاية الذي‮ ‬شارف الآن على تحضير الدكتوراه في‮ ‬مجال التنمية الدولية‮ (‬المشاريع الدولية في‮ ‬اليمن‮ .. ‬التحديات وأسباب النجاح والفشل‮) ‬من‮ «‬جامعة ليدن‮» ‬بهولندا‮.. ‬يؤكد إن الفارق‮ ‬يكمن في‮ ‬كون بلجيكا وهولندا دول مؤسساتية،‮ ‬كل موظف حيث كان موقعه ‬يعرف مسؤولياته ويعمل وفق احترام عامل الزمن والمهنية وليس وفق الولاءات الإدارية لشخص أو جهة معينة إن‮ ‬غاب معها العمل‮.. ‬خلصنا إلى هذه المعادلة في‮ ‬حوار صحفي‮ ‬معه خص به‮ (‬الثورة‮) ‬مستعرضين‮ – ‬نقاشاً‮ – ‬رؤيته التقييمية لسير البرامج الانمائية والمشاريع الدولية في‮ ‬اليمن،‮ ‬متطرقين إلى أسئلة محورية حول كيف تم التخطيط لهذه البرامج والمشاريع،‮ ‬وهل انعكست ضمن الخطة التنموية للدولة أو انها فقط برامج تخطط وتنفذ وفقا لتوجهات عشوائية قد تضر البلد أكثر من الاستفادة منها ومستقبل اليمن في‮ ‬ضوء القروض الدولية الربحية،‮ ‬وآليات الاستفادة من هذه القروض دون تراكم الدين الخارجي‮.. ‬وأسئلة أخرى حول معضلات الادارة وانعكاسها على التنمية بصفة عامة‮…… ‬إلى تفاصيل الحوار‮.‬
‮> ‬في‮ ‬البدء دكتور موسى من خلال خبرتك وتتبعك العلمي‮ ‬التقييمي‮ ‬للمشاريع ذات الصلة بالتنمية الدولية في‮ ‬اليمن‮.. ‬هلاَّ‮ ‬شخَّصت لنا واقع المشاريع الانمائية الخارجية في‮ ‬اليمن ؟
‮- ‬في‮ ‬البداية أرحب بصحيفة الثورة شاكراً‮ ‬دورها في‮ ‬طرح ومناقشة القضايا المجتمعية والتنموية‮.. ‬وإجابة على سؤالكم أود الإشارة إلى أن طبيعة المشاريع والبرامج الانمائية أو بالتحديد المشاريع الدولية في‮ ‬اليمن‮.. ‬تعاني‮ ‬من مشاكل وتحدياتها تعيق مراحل تنفيذها المتعددة ابتداءً‮ ‬من مرحلة التخطيط والإعداد التنفيذي‮ ‬وانتهاءً‮ ‬بمرحلة التسليم للمشروع والاستدامة بتلك المشاريع التنموية القائمة على المصادر الخارجية تمويلياً‮.. ‬خصوصاً‮ ‬إذا ما علمنا أن نحو‮ ‬95٪‮ ‬من إجمالي‮ ‬المشاريع الاستثمارية والتنموية تمويلاتها خارجية‮.. ‬بين مساعدات وقروض،‮ ‬بينما‮ ‬5٪فقط‮ ‬يعتمد على الدخل القومي‮ ‬للبلد‮.. ‬وفي‮ ‬المقابل نود الإشارة إن‮ ‬95٪من الموازنة في‮ ‬اليمن هي‮ ‬تذهب نفقات جارية التي‮ ‬هي‮ ‬معاشات وغيره‮.. ‬
ورغم هذه الأرقام إلا إن واقع معظم هذه المشاريع لم‮ ‬يزل متعثراً‮ ‬ولم‮ ‬يلمس في‮ ‬الجانب التنموي‮ ‬والبنيوي‮ ‬لقطاعات البلد التي‮ ‬نسمع عنها بين الحين والآخر مشمولة في‮ ‬إطار القروض والمساعدات والمنح الدولية‮..‬
‮> ‬تحديداً‮ ‬أين تكمن مشكلة التعثر ؟
‮- ‬يمكن القول‮: ‬بأن مشكلة توجيه وتصميم المشاريع والبرامج الإنمائية الخارجية تُعد القضية المحورية المُفسرة لعدم فاعلية هذه البرامج وهذه المشاريع في‮ ‬اليمن‮.. ‬كما إن هذه المشاريع تعاني‮ ‬منعدم الأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل التي‮ ‬قد‮ ‬يكون لها آثار‮ ‬غير متوقعة عند توجيه وتصميم مشاريع المعونات الخارجية‮.. ‬خصوصاً‮ ‬إذا كان لدينا برامج تنموية‮ ‬غير مستوحاة من الحاجات الأساسية والفعلية للمجتمع،‮ ‬ولم تُبْنَ‮ ‬على أساس المعرفة والحقائق الاقتصادية والاجتماعية الواقعية للمجتمع اليمني‮ ‬وبالتالي‮ ‬لن تحقق فاعليتها‮..‬
كما أن هناك عدم توافر للمعلومات النوعية وعدَم التعلُّم من البرامج الفاشلة التي‮ ‬تم تنفيذها سابقاً،‮ ‬والتي‮ ‬يرجع المختصون أسبابها إلى السياسة الداخلية والبيروقراطية داخل المنظمات المانحة نفسها والمؤسسات المستفيدة‮.. ‬مـع أن عملية تقييم المشاريع الإنمائية لها أهداف عديدة‮ : ‬تستخدم لترشيد المنظمات المانحة في‮ ‬عملية صنع القـرار،‮ ‬وتحديد مستوى تنفيذ المشروع ومدى تحقيق الأهداف وإبراز جوانب القصور والانحرافات،‮ ‬واستخلاص الدروس من أجل الاستفادة في‮ ‬المستقبل،‮ ‬وتوفير إطار عام للحوار مع المستفيدين‮ ‬يكفل تحسين الأداء‮.. ‬كما أن اليمن ممثلة بأجهزة الدولة ومؤسساتها المنوط بها التعامل مع تلك البرامج لم تدرك بعد أن الدول والجهات المانحة تعتمد على سياسية واحدة وهي‮ ‬زيادة حجم المساعدات إلى البلدان التي‮ ‬تثبت فيها فاعلية أكثر للمساعدات الخارجية‮..‬
‮> – ‬مقاطعاً‮ – ‬هذا بالنسبة لإشكالات رسم السياسات التوجيهية للبرامج الانمائية بصفة عامة‮.. ‬ما هو معضل تأخر اليمن تنموياً‮ ‬واستنزاف مخصصات هذه البرامج دون الاستفادة منها ؟
‮- ‬المعضل الحقيقي‮ ‬هو البعد المادي‮ ‬الربحي‮ ‬ليس من قبل المانح بل من قبل الوسيط الخارجي‮ ‬بين المانح وبين المنفذ في‮ ‬الداخل‮.. ‬بحيث إن معظم الأشخاص أو المستقبلين الرئيسيين لتكلفة المشاريع الدولية‮.. ‬فالجانب المانح‮ – ‬هولندا مثلاً‮- ‬عندما‮ ‬يأتي‮ ‬إليك،‮ ‬يأتي‮ ‬عبر جهة أو مقاول من بلده أولاً،‮ ‬ويسمى مقاول من الباطن‮ ‬يتعامل مع الجهة الرسمية المانحة كأن أن تكون وزارة الخارجية الهولندية‮ – ‬مثلا‮ – ‬التي‮ ‬هي‮ ‬المانح الرئيسي‮ ‬أو المسئول المباشر في‮ ‬عملية المنح‮.. ‬فمثلا تعلن وزارة الخارجية إن لديها خمس مئة مليون‮ ‬يورو هذه مساعدات لـ‮(‬20‮) ‬دولة نامية،‮ ‬وتريد مؤسسة تقوم بتنفيذ هذا البرنامج المساعداتي‮ ‬الذي‮ ‬يهدف إلى‮ (‬1،‮ ‬2،‮ ‬3،‮ ‬4‮) ‬وغيرها من الأهداف التي‮ ‬تحددها الوزارة‮.. ‬فتتقدم مجموعة من المنظمات الهولندية وواحدة من المنظمات تفـوز في‮ ‬الحصول على حق التنفيذ،‮ ‬بعد ذلك تقوم هذه المنظمات بتوزيع هذه المنح على هذه الدول العشرين ومنها اليمن وعن طريق مقاولين من الباطن‮ – ‬محليا‮- ‬هؤلاء‮ ‬يسعون إلى الربح،‮ ‬وعلى اعتبار أن هذه المبالغ‮ ‬كبيرة جداً،‮ ‬فيتفاوض المقاول اليمني‮ ‬مع المقاول الهولندي‮ ‬على أساس إن هذا هو المانح الرئيسي‮.. ‬ولا‮ ‬يعرف إنه مقاول أيضاً‮ ‬يسعى إلى الربح‮.. ‬وبناء على هذه الصورة النمطية لدي‮ ‬الجانب اليمن‮ ‬يركز على مسألة إن الجانب الهولندي‮ ‬يعطي‮ ‬تذاكر سفر‮ ‬يعطي‮ ‬سيارات وتسهيلات دون أن‮ ‬يعلموا ان ذلك من على حساب المبالغ‮ ‬الممنوحة من المانح الرئيسي‮.. ‬فيقتنع الجانب اليمني‮ ‬على التوقيع على نسبة ضئيلة قد تصل إلى‮ ‬50٪‮ ‬من المبلغ‮ ‬المحدد والهبات والتسهيلات‮.. ‬وتلخيصاً‮ ‬لهذه المُعضلة فالجانب اليمني‮ ‬ليس لديهم قدرة في‮ ‬التحاور والتفاوض مع الجانب الخارجي‮.. ‬وليس لديهم رؤية كيف‮ ‬يكون المشروع ؟ كيف نحقق أهداف المشروع وبالتالي‮ ‬يتم التعامل مع تنفيذ المشروع على أساس الأهداف الواسعة والهلامية وغير الواضحة تستنزف المبالغ‮ ‬قبل اكتمال الأهداف‮.. ‬
‮> ‬هـل ثمة مشاريع أو قصص نجاح لمشاريع دوليــة في‮ ‬اليمن ومن خلال دراستكم في‮ ‬هذا المجال هل ثمة مؤشرات ونسب تقريبية عن النجاح والفشل في‮ ‬هذا المضمار؟‮ ‬
‮- هناك بعض المشاريع الدولية الناجحة في‮ ‬اليمن‮.. ‬لديك مركز تطوير إدارة الأعمال بكلية التجارة جامعة صنعاء الذي‮ ‬يعد من المشاريع الرائدة والهادفة للتنمية المعرفية والعلمية للكوادر الإدارية اليمنية في‮ ‬القطاع العام والخاص‮.. ‬وبما‮ ‬يكفل تأهيل كم كبير من الكادر الإداري‮ ‬لقيادات أجهزة الدولة والقطاع الخاص ابتداء من مدراء عموم فما فوق وكلاء وزراء محافظين‮.. ‬ورغم ما‮ ‬يعاني‮ ‬من‮ ‬غياب أساس استراتيجي‮ ‬يُناط به اختيار الطلاب وفقا لخطة‮.. ‬وأسباب نجاحه ترتبط بكفاءات كانت فاهمة للوضع ومتطلبات التطوير الإداري‮ ‬وما تحتاجه البلد خصوصاً‮ ‬القطاع الخاص ورجال الأعمال في‮ ‬بادئ الأمر‮.. ‬ولأن القائم عليه من البداية لم‮ ‬يكن رجل أعمال فحسب بل وفي‮ ‬نفس الوقت أكاديمي‮ ‬وإداري‮ ‬وهو الدكتور‮ «‬صائب سلام‮» ‬وهو الذي‮ ‬كان لديه طموح ورغبة كبيرة في‮ ‬تنفيذ المشروع وبدأه لكي‮ ‬يفيد مشروعات إدارية مختلفة هو جزء منها‮.. ‬ومن ثم أتت قيادة شابة للمركز ممثله بالدكتور احمد بن مبارك والذي‮ ‬كان له دور محوري‮ ‬في‮ ‬استمرارية المركز لتؤديه رسالته بفاعلية كبيرة‮.‬
وهناك مشاريع أخرى مثل المشاريع المنفذة عبر الصندوق الاجتماعي‮ ‬للتنمية ومشروع الطرق والجسور وغيرها،‮ ‬لكن الفشل والقصور وهو الغالبْ‮ ‬في‮ ‬أن مثل هذه الصناديق تهتم فقط بجوانب‮ (‬الهاردوير‮) ‬أو المباني‮ ‬والطرق وغيرها ولم‮ ‬يشمل مجال العمل تنمية‮ (‬السوفتوير‮) ‬أو جوانب التنمية البشرية والتي‮ ‬تعد المرتكز الأساسي‮ ‬لعملية التنمية بكل جوانبها المختلفة في‮ ‬أي‮ ‬دولة أو مجتمع‮.. ‬ممكن القول أن ما‮ ‬يتجاوز نسبة‮ ‬85٪‮ ‬من المشاريع لم تنجح في‮ ‬تحقيق أهدافها أو البعض منها نجَحَ‮ ‬جزئيا خلال الـ‮((‬20‮ ‬السنة الماضية‮.‬

مساعدتهم وإنتاجنا
‮> ‬يرى الخبراء السياسيون والاقتصاديون‮.. ‬إن المساعدات عامل مثبط وتعطيل لمقدرات الاعتماد الذاتي‮ ‬لدى المجتمع والقضاء تدريجياً‮ ‬على طاقاته الإنتاجية‮.. ‬بل‮ ‬يدعو بعضهم إلى تحريم المساعدات الخارجية إلا ما‮ ‬يصب في‮ ‬الجوانب المعرفية‮.. ‬ما هو رأيكم في‮ ‬هـذه الرؤى؟‮ ‬
‮- هذه الرؤى ترتكز على جانبٍ‮ ‬من نظرية المؤامرة‮ -‬إن جاز التعبير‮- ‬حيث الدراسات القائمة في‮ ‬هذا المضمار تؤكد على أن أنشطة المساعدات الخارجية في‮ ‬الدول الفقيرة تؤدي‮ ‬إلى إلحاق الضرر بهذه الدول الفقيرة وليس المساعدة وبالتالي‮ ‬يجب أن تتوقف برامج المساعدات الدولية لتجنب إلحاق الأذى في‮ ‬الدول الفقيرة‮.. ‬الخلاصة من هذا المنظور على أن برامج المساعدات الدولية لا‮ ‬يمكن أن تحقق فاعلية في‮ ‬ظل بيئة سياسية وإدارية سيئة‮ (‬تعاني‮ ‬منها معظم الدول النامية‮( ‬وعدم وجود الحكم الجيد في‮ ‬هذه الدول‮.‬
بالرغم من أني‮ ‬اتفق مع هذا التفسير إلا أني‮ ‬أؤكد على أن هذه البرامج ستعمل بالتأكيد وتحقق فاعلية حتى في‮ ‬ظل وجود بيئة فاسدة وحكم‮ ‬غير جيد في‮ ‬الدول النامية‮. ‬ومن الصحيح أيضا أن برامج المساعدات الخارجية هي‮ ‬اهتمام نبيل،‮ ‬وحسن من الدول الغنية لمساعدة الناس الأكثر حرمانا في‮ ‬الدول الفقيرة وتوقف هذه البرامج لا‮ ‬يمثل الحل الأمثل‮. ‬ولكن لابد من حث العاملين والقائمين في‮ ‬رسم سياسات التنمية في‮ ‬المستويات العليا لصنع القرار وهؤلاء الذين‮ ‬ينفذون هذه السياسات سواء كان المانح أو المستقبل لهذه المنح أن‮ ‬يتلمسوا الواقع الحقيقي،‮ ‬وأن‮ ‬يمتلكوا المعرفة المحلية والاحتياجات التنموية الملحة في‮ ‬الدول المستقبلة للمنح‮..‬
وهناك عامل‮ ‬يؤثر سلباً‮ ‬تحقيق أهداف هذه المنح،‮ ‬هو عدم فهم طبيعة البيئة المحلية التي‮ ‬تحدث التغيرات فيها،‮ ‬فإننا لا نستطيع تقدير المشاكل المحلية بفعالية‮.. ‬وفي‮ ‬النهاية‮ ‬يتضح إن اعتماد أيّ‮ ‬نموذج تنمويّ‮ ‬في‮ ‬هذا الصدد قد‮ ‬يٌظهر بأننا نُساعد في‮ ‬حل مشاكل هذا المجتمع‮.. ‬لكننا قد نكتشف فيما بعد بأن هذا النهج بعيدا عن الواقع،‮ ‬لأنه لم‮ ‬يتبين بعد وجهات نظر المجتمعات المحلية وتقديرها للمشاكل،‮ ‬أولم‮ ‬يعكس المشاكل الحقيقية للمجتمع والآليات الفعالة للتعامل معها،‮ ‬خصوصا أن مشاكل التنمية قد‮ ‬يُنظر إليها من منظورات وتقديرات مُختلفة،‮ ‬لذلك فمعظم برامج المساعدات الإنمائية قد لا تتناسب بالضرورة مع المهام التي‮ ‬استهدفتها‮..‬

أصدقاء اليمن‮ ‬
‮> ‬كيف تقيمون ما تقدُّمه مجموعة أصدقاء اليمن عبر مؤتمرات المناحين‮.. ‬؟ وهل استغلت اليمن النزر البسيط من هذه المنح؟‮ ‬
مؤتمرات أصدقاء اليمن هامة جداً‮ ‬وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬سدِّ‮ ‬الفجوة التمويلية للمشاريع الاستثمارية باليمن وأيضا في‮ ‬دعم جهود إعادة الاستقرار والسكينة العامة في‮ ‬الوطن‮. ‬ولكن لابد من وجود آلية وإدارة فاعلة للبرامج المنبثقة عن مثل هذا الدعم الدولي‮ ‬‭, ‬وفي‮ ‬المقابل‮ ‬يجب على الدول المانحة الالتزام بدفع التعهدات المالية المعلنة والتي‮ ‬سوف تعلن‮. ‬بالنسبة للاستغلال الأمثل‮ ‬يمكن القول انه خلال العقدين الماضيين عُقدت العديد من المؤتمرات الدولية من أجل دعم العملية التنموية في‮ ‬اليمن،‮ ‬منها مؤتمر الرياض2012م،‮ ‬وقبلها مؤتمر لندن‮ ‬2010م،‮ ‬وأيضاً‮ ‬مؤتمر لندن‮ ‬2006م،‮ ‬وصلت تعهدات المانحين نحو‮ (‬5‭.‬7‮) ‬مليار دولار،‮ ‬ومؤتمر باريس‮ ‬2002م نحو‮ (‬2‭.‬3‮) ‬مليار دولار،‮ ‬وقبل ذلك مؤتمر بروكسل‮ ‬1997م الذي‮ ‬حصلت اليمن فيه على‮ (‬1‭.‬8‮) ‬مليار دولار،‮ ‬وقبله مؤتمر لاهاي‮ ‬1996م حيث حصلت اليمن على‮ (‬500‮) ‬مليون دولار،‮ ‬شارك في‮ ‬هذه المؤتمرات العديد من الجهات المانحة المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي،‮ ‬الأمم المتحدة،‮ ‬المفوضية الأوروبية،‮ ‬الصناديق العربية الإقليمية‮ «‬الصندوق العربي،‮ ‬البنك الإسلامي،‮ ‬أوبك إلخ‮ «) ‬وعلى الصعيد الثنائي‮ ‬مثل ألمانيا،‮ ‬هولندا،‮ ‬الولايات المتحدة،‮ ‬المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربي،‮ ‬ومؤخرا المملكة المتحدة‮(.. ‬وقد بلغ‮ ‬إجمالي‮ ‬التعهدات في‮ ‬شكل معونات،‮ ‬ومنح،‮ ‬وهبات،‮ ‬وقروض ميسرة خلال هذه المؤتمرات ما‮ ‬يقارب‮ ‬13‮ ‬مليار دولار‮.. ‬وأخفقت سياسات هذه التعهدات لأن هناك قصوراً‮ ‬كبيراً‮ ‬جدا في‮ ‬هذا الجانب‮.. ‬فعلى سبيل المثال لم‮ ‬يتم استغلال سوى‮ ‬15٪‮ ‬من إجمالي‮ ‬تعهدات مؤتمر لندن‮ ‬2006م حتى اليوم‮.. ‬وبالتالي‮ ‬أؤكد إن مدى نجاح وفشل المؤتمرات والحشد الدولي‮ ‬مرهون بالقدرة الاستيعابية للحكومة اليمنية‮ .. ‬فيما نجاح المساعدات الراهنة والمستقبلية لليمن‮ ‬يرتبط بمستوى الاستفادة من الأخطاء السابقة ومحاولة خلق آلية مناسبة ورفع القدرة المؤسسية لدى الجهات التخطيطية لضمان الاستخدام الأمثل لمثل هذه التعهدات بما‮ ‬يخدم عملية التنمية الشاملة في‮ ‬البلد‮.‬

استنزاف المستقبل
‮> ‬يرى الكثير من المحليين أن القروض التي‮ ‬تحصل عليها اليمن ليست سوى عميلة استنزاف لمستقبل أجيالنا القادمة‮.. ‬ما هو تفنيدكم لهذه الرؤى؟
‮- صحيح ما ذهب إليه رجال الاقتصاد والمحللون،‮ ‬فالقروض تعد مشكلة كبيرة جدا وخصوصا لدى الدول التي‮ ‬تفتقر إلى الإدارة الفاعلة في‮ ‬توظيف القروض تنموياً‮. ‬وبالنسبة لليمن القروض الخارجية صارت هماً‮ ‬كبيراً‮ ‬يثقل كاهل البلد ومقدراته الاقتصادية‮.. ‬ومن الواضح أن القدرة الاستيعابية للمنح والقروض قد تكون متقاربة لأن نفس المؤسسات هي‮ ‬التي‮ ‬تتعامل مع مثل هذه البرامج‮.. ‬المشكلة الأهم أن بعض القروض تُطلَبْ‮ ‬بدون رؤية تنموية،‮ ‬وتُحدد الفوائد وفق متطلبات وشروط الجهات الممولة أو المُقْرِضَة والنتيجة هو عدم استلام الحكومة للقرض وفي‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يتم دفع فوائده المرتبطة بعامل الزمن‮. ‬ويكمن جوهر هذه المشكلة في‮ ‬غياب آلية تُحَدّد معطيات واشتراطات الاقتراض وجدواه وغياب ربط الحاجة للقرض بنهج إداري‮ ‬تنموي‮ ‬صارم‮ ‬ينتصر على عامل الزمن من جهة ليحقق نمواً‮ ‬ناجزاً‮ ‬يعوض خسائر الخزينة المدفوعة فوائداً‮ ‬لتلك القروض‮.‬
‮> ‬برأيكم ما الحيلولة من هذا الخطر المستقبلي؟
‮- ‬ببساطة‮.. ‬الحل هو أن تتحمل الدولة مسئولية التنمية وأن‮ ‬يواجه المجتمع حقائق واقعه ومشاكله ذاتياً،‮ ‬والتوقف عن القروض ذات الأبعاد الربحية الكارثية‮.. ‬والصرامة الإدارية في‮ ‬توظيف المساعدات الانسانية في‮ ‬مسارات التنمية بشكل صحيح‮.. ‬وتفعيل موارد البلد الوفيرة المتمثلة في‮ ‬الزراعة والأسماك والمشاريع الصغيرة وكبح معوقات الاستثمار‮.. ‬

معضلة التنمية
‮> ‬يرى الكثيرون إن مشكلة اليمن التنموية إدارية في‮ ‬المقام الأول‮.. ‬فأين‮ ‬يكمن جوهر الإدارة في‮ ‬اليمــن؟ ولماذا فشل اليمنيون ؟‮ ‬
‮- ‬مُعْضلات الإدارة في‮ ‬اليمن‮ ‬يتطلب من عشر إلى مئة رسالة بحثية‮.. ‬لكن ببساطة لدينا في‮ ‬اليمن تخبط كبير لا توجد رؤية،‮ ‬فهناك تداخلات في‮ ‬الاختصاصات‮.. ‬بينما النظام الغير رسمي‮ ‬يشتغل بشكل كبير وفقاً‮ ‬لعوامل عديدة سياسية مناطقية قبلية وعسكرية وغيرها فهناك‮ ‬غياب لاحترام كيان العمل المؤسسي‮ ‬العام والخاص،‮ ‬وشللية الكوادر الوظيفية تغزو كل مفاصل مؤسسات الدولة‮.. ‬فهذه مشكلة الإدارة في‮ ‬اليمن‮ .‬
وبالتالي‮ ‬عندما نتحدث عن دولة مؤسسات نحن نتحدث عن منظومة إدارية تعمل بانتظام في‮ ‬مسارات مختلفة عليا دنيا وسطى تتغلب فيها ثقافة احترام كل تخصص‮ .. ‬وفقاً‮ ‬لمعاير لا تخضع لثقافة الشخصنة التي‮ ‬أنهكت وقتلت عامل الإبداع لدى المستويات الوظيفية،‮ ‬وحولت المبدع القادر على الإنتاج من مبدع منتج إلى عاطل مستهلك ومنتظر لما‮ ‬يُمْلَى عليه من قياداته التي‮ ‬حصرت المؤسسات في‮ ‬شخصيات هؤلاء القيادات‮.. ‬وبهذا تم تعطيل مسارات العمل الإداري‮ ‬المعول عليه تسيير دفة التنمية في‮ ‬كل مفاصل العمل المؤسسي‮ ‬كلٌ‮ ‬في‮ ‬اختصاصه‮.. ‬بعض دول العالم تستمر لسنوات بدون حكومات والعمل الإداري‮ ‬قائم في‮ ‬كل مساراته الخدمية والإنتاجية لأنها دول مؤسسات كل شخص‮ ‬يعرف مسؤولياته ويعمل وفق احترام عامل الزمن والمهنية وليس الشخوص‮.. ‬ومؤسسات ووحدات تعرف عملها‮.. ‬بلجيكا عمل حوالي‮ ‬سنة وستة أشهر من دون حكومة‮.. ‬هولندا الآن تعمل بدون حكومة‮..‬

أخيراً
‮> ‬وكيف تلمسون سمعة اليمن في‮ ‬محيط وجودكم الخارجي‮ ‬؟‮ ‬
‮- معظم البرامج التنموية الخارجية في‮ ‬اليمن توقفت تماما على العمل وجمدت معظم الدول المانحة مساعداتها التنموية لليمن والبعض استمر في‮ ‬تقديم المساعدات الإنسانية الملحة‮.. ‬وبالتالي‮ ‬يمكن القول على أن البرنامج الاستثماري‮ ‬للحكومة اليمنية توقف تماما عن العمل‮. ‬تأثير هذه الأحداث فعلا أدت إلى اختلالات عديدة في‮ ‬معظم النواحي‮ ‬سواء كانت السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وأيضا فجوة نفسية كبيرة بين مختلف مكونات المجتمع‮.‬
أما سمعة اليمن في‮ ‬محيط تواجدنا في‮ ‬الخارج أو المهجر في‮ ‬المحافل الدولية للحقيقة ليست على ما‮ ‬يرام فتذكر على إنها دولة فاشلة منذ فترة طويلة‮.. ‬فهناك تأثير كبير من الداخل‮.. ‬وكثير من الخبراء‮ ‬غير قادرين للسفر لليمن فقد أصبح اليمن مرتبطاً‮ ‬بالإرهـاب‮.‬
– صحيفة الثورة

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock