تقارير اقتصادية

خلفتها شركتي هنت و صافر النفطيتين: وثائق خطيرة تكشف عن مقبرة نفايات نفطية بالحديدة تحوي مواد سامة وعناصر مشعة

معلومات غاية في الخطورة حوتها وثائق ومعلومات حصلت عليها صحيفة الناس، فعلى مدى 26 عاما تقريبا حولت شركتا هنت وصافر مساحات واسعة من اراضي محافظة الحديدة إلى مقابر للنفايات والمخلفات النفطية السامة، وربما تلك الأراضي هي التي نجت خلسة من أيدي اللصوص ومدعيي النضال الوطني لكن حظها “كمن يستجير من الرمضاء بالنار”.
في منطقة مساحتها 600 متر طولا وبعرض 50 مترا قادت الصدفة مؤخرا بالمحافظة الى اكتشاف واحدة من تلك المقابر الخطرة، لا تبعد سوى 1500 متر فقط عن اقرب تجمع سكاني، جميعهم مهددون بالأمراض الخبيثة ابرزها السرطان في وقت لم يستفد احد من سكان مديرية الصليف من وجود اهم مصفى نفطي في اليمن بعد مصافي عدن.

وربما سيكون الأمر عادلا لو أن آلاف من سكان المديرية يحصلون طوال العام كاملا على ما يوازي الدخل الشهري لمدير عام شركة صافر لخدمات الاستكشاف والانتاج المهندس محمد حسين الحاج ومدير عام التصدير في الشركة القبطان احمد كليب، اللذان يعيشان في قصور فارهة فيما بالكاد يؤي الكثير من سكان المديرية عششا مبنية من عسف النخيل في صورة اقرب إلى عصر ما قبل الجدار.

المقبرة واحدة من مقابر لم يتم الكشف عنها او ان السلطات في المحافظة مخلصة في وظيفتها كحارس أمين على أسرار شركتي هنت وصافر وكأن نهب اراضي المحافظة وصمت سكانها على بؤسهم لم يشفع لهم للحياه بسلام.

وعملت شركة هنت في اليمن اكثر من 20 عاما حتى عام 2006م تقريبا، خلال تلك المدة كانت المشغل للميناء النفطي العائم بمنطقة رأس عيسى بالحديدة والذي يصله النفط من حقول مارب، وطيلة تلك السنوات كانت نفايات الصناعة النفطية تدفن في مناطق مختلفة من مديرية الصليف التي باتت تنام على بركان من السموم الكيميائية. ومنذ رحيلها عام 2006م تسلمت شركة صافر المملوكة للدولة اليمنية الانتاج في مارب وعمليات التصدير عبر الميناء النفطي العائم لكنها لم تكن اقل خبثا من هنت الأمريكية كما جاء في الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة.

وتقول شركة صافر في احدى محاضر الاجتماعات، حصلت صحيفة الناس على نسخة منها- أن لا علاقة لها بالأمر وأن تلك النفايات دفنتها شركة هنت لكن محاولة صافر التملص من المسئولية اقرب للاستخفاف بعقول الناس خاصة أن معظم طاقمها الاداري والفني هم ذاتهم الذين عملوا مع شركة هنت الامريكية وفي عهدهم دفنت اطنان من المخلفات السامة في سواحل مديرية الصليف.

وتؤكد وثائق أخرى أن شركة صافر (اليمنية الادارة) اتبعت ذات اساليب “هنت” في التخلص من النفايات دون أي وازع أخلاقي أو وطني.. إذ جاء في تقرير رسمي حول مخلفات شركة صافر والتي يتم رميها بمنطقة الصليف، أن النفايات النفطية كان يتم انزالها في السابق من اللنشات القاطرة التابعة لشركة صافر عن طريف رصيف ميناء الصليف ومن ثم تحميلها على سيارات نقل الى موقع رمي تلك المخلفات.

أما في الوقت الراهن -بحسب التقرير المؤرخ بتاريخ 17 يونيو 2012م- فإنه ومنذ أكثر من عام يتم رسو اللنشات القاطرة في مرسى خاص بمنطقة رأس عيسى ومنه تنقل النفايات في وسائل نقل الى مواقع رميها..

لم يورد التقرير اسماء الاماكن التي يتم فيها الدفن، وربما يعود إلى جهل الجهة الحكومية -مصدر التقرير- بالأماكن، إذ كانت عملية التخلص من النفايات تتم بطريقة اشبه بالسرية.

وتضمن التقرير وصف انواع تلك المخلفات وهي عبارة عن مواد مختلطة ذات رائحة نفاذة معبأة في أكياس يزن الواحد منها 25 كيلو جرام تقريبا وأن عددها في كل عملية انزال يتراوح بين 50 – 60 كيسا تقريبا.. مشيرا إلى أنه في بعض الاحيان تلجأ الشركة الى حرق تلك الأكياس وينتج عن ذلك انتشار سحب كثيفة في الهواء ذات لون اسود داكن ورائحة كريهة وغالبا ما يتم الإكتفاء برميها دون حرقها.

* تحليل معملي يكشف

اكتشاف مقبرة النفايات الكيميائية في الصليف قبل ثلاثة أشهر تقريبا جاء بالصدفة أثناء مسح مهندسي الكهرباء مساحة أرض لتجهيزها لنصب مولدات الكهرباء الاسعافية، وخلال عملية الحفر والمسح للارض تم العثور على (دبات) بلاستيكية باعداد كبيرة منتشرة في مساحة طولها 600 متر بعرض 50 مترا.

وبحسب وثيقة فقد تدخل مكتب فرع الهيئة العامة للشئون البحرية بالمحافظة على إثر ذلك بأخذ عينات تم تحويلها الى مركز الخراز للاستشارات البيئية بالعاصمة صنعاء الذي اصدر تقريرا بما تم التوصل إليه من نتائج بتاريخ 21 يوليو 2012م.

وأكد التقرير أن نتائج فحص العينات اظهرت احتوائها على عناصر غاية في السمية على حياة الإنسان وبعضها تصنف ضمن أخطر المواد سمية في العالم ومنها عنصر الزركونيوم المشع الذي يترافق وجوده غالبا مع عنصر اليورانيوم العالي الاشعاع.

ورغم عدم ظهور الاخير في الفحص الأولي إلا أن نتيجة الفحص النهائي -كما ورد في التقرير- ستحدد وجود اليورانيوم من عدمه.. لكنه لفت إلى أن دفن هذه المواد وبهذه الطريقة وبدون ابلاغ رسمي، يعد مؤشرا اضافيا على خطورة هذه المواد ومعرفة المسئولين بمدى خطورة هذه النفايات وهو ما يفسر عدم التزامهم بمعالجتها واخذ التصاريح اللازمة للتخلص منها وتحديد الموقع المناسب لدفنها.

وذكر مركز الخراز أن العينات الثلاث التي تم أخذها عبارة عن دبة بلاستيكية بداخلها مادة سوداء لزجة وعلبة صغيرة مليئة بمادة سوداء لزجة تفوح منها رائحة قوية غير مقبولة كانت مختلطة بالتربة والعينة الثالثة عبارة عن قطعة متصلبة يعتقد انها مادة بلاستيكية سوداء اللون.

وخضعت العينات لعملية فحص اولي لفحص المواد المشعة والمعادن باستخدام اختبار مادة الكادميوم والاختبار الثاني باستخدام مادة الحديد لكن المركز أضاف عينة رابعة تم اخذها من التربة المتراكمة على سطح الدبة البلاستيكية لمعرفة مدى تأثير هذه المواد.

عناصر مشعة

ما يتعلق بالعناصر المشعة قال التقرير ان النتائج الأولية اظهرت خلو جميع العينات الاربع من العناصر المشعة بشكل أولي مع وجود عنصر الزركونيوم في عينتين فقط هما (الدبة البلاستيكية والعلبة الصغيرة).. مشيرا إلى أنه من العناصر المشعة والذي يترافق وجودها في الغالب مع عنصر اليورانيوم المشع الذي لم يظهر بنتائج التحليل الأولي لكن الجزم بوجوده من عدمه لن يتأكد حتى اجراء التحليل النهائي الذي سيعطي تفصيلا دقيقا للنسب المئوية لهذه العناصر ضمن العينات وبالتالي القدرة على تحديد التأثير المحتمل.

عناصر معدنية سامة

وبشأن فحص العينات للتأكد من وجود معادن سامة، أكدت نتائج الفحص الأولية وجود عناصر معدنية سامة وذات مؤشرات قوية ضمن العينات الاربع وتتوزع هذه العناصر بشكل رئيسي بين (النحاس الأحمر cu، الزرنيخ as، الكوبلت co، الحديد fe، البروم br، الكبريت s، الكلور cl، البوتاسيوم k، والكاليسيوم ca).

وأكدت الفحوص المعملية أن هذه العناصر عندما تتحد مع بعضها وتتعرض للهواء ينتج عنها مواد أخرى تؤثر بشكل سلبي على البيئة المحيطة وقد تكون اكثر سمية مثل الكوبلت الذي يتحد مع الكلور مشكلا كلوريد الكوبلت الثنائي الذي يؤثر على المياه والتربة والكائنات الحية كما أن اتحاد الكوبلت مع الهواء يشكل اكسيد الكوبلت.

وأكد التقرير أن تواجد هذه المعادن السامة يدل ايضا على وجود عناصر سامة أخرى مثل الكروم cr وإن لم يظهر بالفحص الأولي.. لافتا إلى أن وجود العناصر المذكورة سلفا في العينات يوضح بشكل غير قابل للشك تأثيرها الخطير وسميتها العالية.. مرجحا أنها مخلفات ناتجة عن صناعة النفط بالنظر الى شكلها ولونها الظاهر وأن الرائحة التي تفوح منها مبعثها عنصر البروم. وأشار إلى أن نتائج التحليل الأولي تؤكد أنها مواد هيدروكربوناتية ناتجة عن صناعة النفط وتسمى في بعض الأحيان أوحال بترولية أو زيتية وجميعها تصنف ضمن المخلفات او النفايات الخطرة لصناعة النفط.

تلوث المياه الجوفية

وفيما يتعلق بالتأثيرات البيئية ورد في التقرير المعملي أن العناصر المكتشفة في العينات تعرف بسميتها الشديدة وتأثيرها على التربة والمياه الجوفية ومياه البحر والكائنات البحرية كون هذه المواد وجدت في المنطقة الشاطئية وبالتالي فإن تأثيرها غير مستبعد على الكائنات البحرية.

وبحسب التقرير فإن النحاس الأحمر مثلا، من اكثر العناصر سمية على الكائنات البحرية ويعتبر مؤشرا للكثير من الدراسات الخاصة بتلوث البيئة البحرية من خلال دراسة نسبة تركيزه في الجمبري (الروبيان) اذ يصبح متركزا في جسمه مما يسبب اضرارا له ومشاكل صحية منها التسمم للإنسان في حالة تناوله للروبيان.

كل ذلك يؤكد ما كشف عنه المختصون في كلية علوم البحار بجامعة الحديدة في وقت سابق من أن مخرجات اعمال الصيانة لبدن خزانات الميناء النفطي العائم “صافر” والاعمال الاخرى المتعلقة بتفريغ ناقلات النفط، قد أدت إلى ارتفاع نسب التلوث في البيئة المحيطة بالخزان ما أدى إلى ارتفاع نسب التلوث وتغير الخواص البيئية لمنطقة رأس عيسى التي يتواجد فيها الميناء العائم منذ 26 سنة.

نجل صالح في الواجهة

منذ ابلاغ محافظ الحديدة بما تم اكتشافه من دفنيات هائلة للمخلفات النفطية السامة، لا معلومات تؤكد تفاعله مع الامر رغم خطورة تلك النفايات التي تفتك بالإنسان وتلوث المياه الجوفية وتدمر البيئة البحرية.

مسئول في وزارة النفط فسر ذلك بوصفه لشركة صافر بالقلعة الحصينة التي لا يتجرأ أحد على مواجهتها أو الاقتراب منها ونقدها حتى وزير النفط شخصيا.. لافتا إلى أن الشركة قبل اندلاع الثورة الشبابية كانت تلجأ إلى التواصل مع النجل الاكبر للرئيس المخلوع العميد أحمد علي عبدالله صالح ولذلك لم يكن أحد يتجرأ على الاقتراب منها.. لكن المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته قال لصحيفة الناس إنه لا يعلم أسباب الحماية الشخصية التي كانت تحظى بها الشركة من قبل نجل صالح.. واضاف “شركة صافر لم تكن تدفع الضرائب للحكومة وهي بعشرات الملايين من الدولارات وهناك معلومات أنها كانت تذهب لعائلة صالح بطريقة ما وربما هنا مربط الفرس”.

وفي الوقت الراهن، أكد أنه ليس واثقا من قدرة وزير النفط الحالي المهندس هشام شرف على إعادة شركة صافر إلى حظيرة الوزارة خاصة وأن الوزارة من حصة المؤتمر الشعبي العام الذي ما يزال صالح في رئاسته. والجدير ذكره أن وزير النفط تلقى ايضاحات بشأن الوضع القائم وعدم التزام شركة صافر بالقواعد واللوائح الدولية ذات الصلة بالسلامة البحرية والأمن البحري وحماية البيئة و(التطقيم) الآمن.

وتقول رسالة تم رفعها للوزير شرف “إن الخزان العائم “صافر” كان يلتزم بمعايير عالية في السلامة ومكافحة التلوث إلا انه في السنوات الاخيرة بينت الفحوصات الدورية لمفتشي الهيئة العامة للشئون البحرية، تدني التزام الخزان النفطي بالمعايير الدولية المتعارف عليها في وقت أن تزايد التقدم في عمره يتطلب تشديد معايير ومتطلبات السلامة البحرية ومنع التلوث البحري.. إلا أنه منذ تلقيه الرسالة مطلع يونيو 2012م لم يتغير شيء حتى الآن رغم مرور قرابة ثلاثة اشهر، حيث لم توافِ الشركة هيئة الشئون البحرية بما يؤكد التزامها بشروط السلامة البيئية.

* المصدر: صحيفة الناس الأسبوعية

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock