كتابات اقتصادية

علي ربيع: حرائق وعصبويّات!

> أشعر بغبطة غامرة، لأن أبناء محافظة حجة احتكموا إلى صوت العقل، إذ يبدو أنهم وصلوا إلى يقين بأنه مهما اختلفوا سياسياً، فلا ينبغي أن يريقوا الدم اليمني، أو على الأقل هذا ما فهمته،

من لقاء رئيس الجمهورية، أمس، بقيادات المحافظة، فضلاً عن تأدية الشيخ فهد دهشوش لليمين الدستورية، ليصبح عضوا في مجلس الشورى، ما ينبئ أن فتيل النار قد أخمد، وأن صوت العقل هو الذي ينتصر في الأخير.
> لكن يبدو أنه ليس مقدراً لنا أن نفرح بلحظة وفاق، حتى تبدو لحظة دم وموت في مكان آخر، وكأن الحرائق التي تصلي اليمنيين قدر لا مفك منه، وإلا بماذا نفسر ما يحدث الآن في محافظة عمران وتحديداً في ريدة، ولماذا يسمح العقلاء باستباحة الدم وإثارة الحروب الفارغة التي لا يرقص احتفاء بها سوى الشيطان!!
> شعرت بالخوف المريع وأنا أقرأ خبر (رويترز) مساء الجمعة الماضية “قتلى وجرحى في اشتباكات بين السنة والشيعة شمال اليمن”، استحضرت على الفور ما عاشته ولا تزال تعيشه بلاد الرافدين، السيارات المفخخة، والقنابل الموقوتة، والعمليات الانتحارية، والأحزمة الناسفة، في المساجد والشوارع والمدارس، والمرافق الحكومية، لاتدري من يقتل من؟ ولا لماذا يقتله؟ غير هذا الموال المقيت الذي تردده عناوين وكالات الأنباء العالمية، قتلى سنيين، قتلى شيعيين، مسجد سني، مزار شيعي، فيما تتكاثر النوائح، ويستمر فيضان الدم، في عراق لم يصبح جديداً كما بشرت به حمائم الأباتشي، ولا عاد كالقديم حيث كان السني والشيعي عراقيين وحسب.
> الحقيقة التي يجب أن يفهمها كل اليمنيين، أنه لا أحد يمكن أن يستطيع إلغاء أحد، ولا يمكن لقوة سياسية مهما كان حجمها أن تكون بمفردها على التراب اليمني، وإذا ما سلمنا بهذه الحقيقة سلفاً، فبإمكاننا أن نجد القواسم المشتركة التي تجعلنا نتعايش بمحبة، ونختلف باحترام، على قاعدة المواطنة المتساوية، التي لا تغليب فيها لطرف على طرف سوى بمقتضى القانون.
> أقولها بصدق، اليمن ليس في مقدورها أن تحتمل أكثر مما احتملت، والضوء الذي يلوح في آخر النفق، مهمتنا أن نتشبث به، حتى النهاية، إن كنا بالفعل نبحث عن مستقبل آمن ووطن كريم، أما الهرولة والدفع باتجاه تلغيم طريق الخروج، فلن يفرز منتصرين وخاسرين، بقدر ما سيكشف عن جثث متعفنة ودماء تسيل، وخرائب تنعق فيها طيور الشؤم، وهو ما يعني أننا سنرتهن مجدداً لدورات جديدة من حروب الاستدعاء التاريخي، ولكن بشعارات معدلة وراثياً.
> ما يحدث في ريدة، شر مستطير، أخشى أن تغذيه رياح الحمق السياسية، وأن تنفخ فيه أطماع الاستئثار السلطوي، في ظل وعي سياسي أناني وانتماء وطني منعدم في صدور النخب السياسية، التي تتقن فن التسلق والحضور السلطوي على الأشلاء والدماء، بما تبثه في أتباعها من وقود المذهبية والعقائدية، وهو بئس الوقود، لأنه الخطر الداهم الذي بإمكانه أن ينسف الحياة في أي مجتمع إنساني.
> كن سنياً أو شيعياً، كن زيدياً أوسلفياً، كن هادوياً أو إسماعيلياً ، كن إصلاحياً أو حوثياً، لكن لاتنس أنك مواطن بالمقام الأول، كما لا تنس أن من حق غيرك أن يعيش كما من حقك أن تعيش، وفقاً لعقد اجتماعي هو الدستور، وهو القانون، ونحن على أبواب مؤتمر حوار وطني شامل ، يمكن بكل تحضر ورقي أن نناقش فيه مشاكلنا ونعيد تجديد العقد الاجتماعي الذي نحتكم إليه ونسلم به.
> لابد أن تتوقف الحروب باسم السماء، لا بد أن تنتهي شعاراتية الموت باسم المظلومية التاريخية، لابد أن تتوقف عصبويات الإسلام المذهبي القبلي السياسي بأنواعها، عن التعبير عن حضورها واستعراض قوتها عبر استباحة دم اليمنيين البسطاء، فالعنف لن يولد سوى مزيد من العنف، وشهوة السلطة جنون أعمى ولابد أن نكبحه.
> إن تذرع السياسي بالديني من أجل السلطة نفاق، وإن تذرعه بالإنساني انتهازية، أما تذرّعه من أجلها بالأمرين معاً فهو ذروة الانحطاط!

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock