تحقيقات اقتصادية

اليمن : المدرهة إحدى طقوس استقبال وتوديع الحجاج وتراث صنعاني قديم في عيد الاضحى

الاقتصادي – صنعاء – أحمد المنصور تحتضن مدينة صنعاء القديمة بين أسوارها عادات وتقاليد عريقة تختصر مراحل من التاريخ اليمني.. ولن يكفيها مئة عام للاحتفال بكل تلك الروعة والجمال التي تجسد روحها وريحها، إنسانها وبناءها، عاداتها وتقاليدها، وكل التفاصيل الماثلة بين أسوارها رغم صلف الزمن ومتغيراته.
ومن ذلك تقليد المدرهة (المرجيحة) في صنعاء القديمة خاصة وفي بعض المدن اليمنية، حيث ارتبط هذا الطقس بأحد أركان الإسلام وهو فريضة الحج، فيما تعرف المدرهة ” المرجيحة ” باعتبارها إحدى التسالي والألعاب عند الأطفال من الجنسين وعند الفتيات في كثير من بلدان العالم.
ويعود تقليد المدرهة (الأرجوحة أو المرجيحة ) في اليمن لفترات قديمة جداً، حيث يعد تعبيراً عن فرحة الأهالي بعودة حجاجهم عقب تعرضهم للعديد من الصعاب والمخاطر خلال سفرهم وتنقلهم بوسائل المواصلات القديمة حينذاك لأداء فريضة الحج.. كما تسمى ” مدرهة العودة “، حيث يُستقبل الحاج بطقوس تبدو غريبة لكنها مُسلية وفرائحية، ومنها “المدرهة” التي تبدأ عقب عيد الأضحى بيومين أو ثلاثة أيام (خلال أيام التشريق)، والطامحة إلى تشويق الحاج للعودة إلى أهله ومحبيه، بالإضافة إلى ذكره بالخير والدعاء له بالعودة سالماً.
طقوس المدرهة في صنعاء القديمة غريبة وجميلة، حيث يقول أحد المهتمين بالتراث الثقافي الشعبي :” توضع المدرهة في فناء منزل الحاج أو في فناء منزل أحد جيرانه إذا لم يكن له فناء، ويوضع عليها شال أو عمامة يسمونها “عمامة الحاج” الذي لم يأت بعد، وتستمر بعد عودته شهرين أو ثلاثة أشهر يتجمع خلالها الجيران والأهل والأقارب والأصدقاء حول المدرهة وينشدون وقد علقوا عليها الناقوس:
“يا مدرهة يا مدرهة.. مال صوتش واهي .. قالت أنا واهية وما حد كساني .. كسوتي رطلين حديد والخشب رُماني”.
وأضاف :” ثم يأتي شخص يدعى “المُمَدْرِّه” وله سمات “المُسَبِح”، فينشد من ضمن ما ينشده” :” يا مُبشر بالحج بشارتك بشارة.. هِنيَت لك يا حاجنا فزت بالغفراني زرت قبر المصطفى وتلمس الأركاني.. والصلاة والسلام على الرسول يا من سمع يصلي على النبي العدناني”.
وقد سعت العديد من الفعاليات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني إلى تحفيز الرأي العام المحلي والخارجي الاهتمام بالموروث الشعبي الغني في اليمن, والكشف عن وجه من أوجه الإبداع الإنساني الشعبي من خلال الغناء والإنشاد أثناء “التدره”.. من خلال نشر موروثنا الشعبي عبر وسائل الإعلام المختلفة، باعتباره وجهاً من أوجه السياحة الثقافية في اليمن، وتوثيق تقاليد الحجيج كتابياً، صوتياً ومرئياً ليكون مرجعاً للمهتمين والدارسين، بالإضافة إلى نشرها في وسائل الإعلام المختلفة، وقد دشنت بعض المهرجانات مطلع شهر ذي الحجة من الأعوام الماضية للتعرف عن قرب على الحالة التي يعكسها ذهاب الحاج عن أفراد أسرته، فيما تم تنصيب المداره حسب طقوس صنعاء للتعرف على تراثها، مثل الأشعار التي تقال أثناء التدره.
وقد نظمت خلال ذلك معارض تضم أزياء الحاج بما يسمى (الجهاز) كتقليد متعارف بتنصيب ملابس الحجاج على المداره أو ما تسمى (كسوة المدرهة)، وكان تنصيب المداره في مسرح الهواء الطلق “صنعاء القديمة” في احتفاليات سابقة.
بيت الموروث الشعبي غني بمثل هذه الفعاليات التي توثق التراث الشعبي، وخصوصاً التراث الشفاهي، وفتح الحوار مع الآخرين لقراءة أكثر تمعناً في الثقافة الإنسانية، والاستفادة من كل التجارب الإنسانية من خلال تنظيم مراسيم الاحتفال باستقبال الحجاج، وبعودتهم من مكة، حيث يصاحب وداع الحجيج واستقبالهم الإنشاد الديني والموالد الدينية، التي تحتفل بالحاج جيئة وذهابا.
وكانت تلك الاحتفالات والمهرجانات تشمل معارض لصور الحياة التقليدية لصنعاء، ومعارض للملابس الشعبية والمطبخ الصنعاني وتوثيق تقاليد المدرهة بكل تفاصيلها، بالإضافة إلى إصدار كتيبات، وسيديهات، وكاسيتات، وغيرها عن هذه المناسبات التي تأصل قيم التراث والتقاليد اليمنية العيدية..
وقد كرمت مثل هذه الفعاليات المتدرهين الذين حافظوا على تراث المدرهة، وتقاليد توديع واستقبال الحجيج لعقود من الزمن، بالإضافة إلى إلقاء المحاضرات التي جسدت أهمية مثل هذا المهرجانات.
وكانت المهرجانات بمثابة احتفالية ثقافية متنوعة، ترمي ليس لعملية التوثيق فحسب, بل إحياءً لذاكرة هذا التقليد الهام الذي يتزامن مع موسم الحج، كما سيمكن جهات الاختصاص من الالتفات نحو هذه الطقوس الجميلة، وضرورة المحافظة عليها.
مختصون في التراث الشعبي أعربوا عن تمنيهم بأن تتكرر مثل هذه المهرجانات التي عكست واحدة من أهم تقاليدنا العيدية خلال عيد الأضحى المبارك، وموسم الحج.. راجين الجهات المختصة أن يكون بمثابة تقليد سنوي..
بعض الأهالي في صنعاء القديمة أكدوا أنهم لا يزالون هم وبعض جيرانهم يمارسون هذه الطقوس العيدية وغيرها من الطقوس الاجتماعية التي قالوا عنها على حد وصفهم بأنها :” تعمل على تطوير العلاقات الاجتماعية بين الناس في صنعاء القديمة “.. مؤكدين أنها على طريق الانقراض إذا لم يتم توثيقها وتفعيلها في المناسبات الاجتماعية والأجواء المناسباتية على اختلافها.
وأشاروا إلى أن مثل هذه الأنواع من العادات والتقاليد تعد وجهاً سياحياً لليمن باعتبارها تقليداً عريقاً يضم في جنباته حكاية الإنسان في مدننا اليمنية التي تعبق بتاريخ ذي تراث خصب إنساناً وحضارة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock