كتابات اقتصادية

ضريبة تأخر الإصلاحات في الأردن

كتب عامر راشد– الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدها الأردن، في مختلف محافظاته والعاصمة عمان منذ مساء يوم الأربعاء الماضي، رفضاً لقرار الحكومة الجديدة برئاسة عبد الله النسور زيادة أسعار المشتقات النفطية والغاز المنزلي بنسبة 20%، عن طريق رفع الدعم الحكومي عنها بشكل كامل، مقابل ما يسمى بـ”تقديم الدعم المالي لمستحقيه مرّة واحدة في العام”، أظهرت حجم الفاتورة الثقيلة التي ترزح تحتها السياسات الاقتصادية الأردنية جراء تطبيق شروط “صندوق النقد الدولي” و”منظمة التجارة العالمية”، وتغلغل واستشراء الفساد في مفاصل الدولة، ووصول لعبة تدوير الأزمات إلى الاصطدام بجدار من الاحتقان الشعبي.

ولا تنفصم عرى الاحتجاجات الشعبية على السياسات الاقتصادية للحكومات الأردنية المتعاقبة وظاهرة الفساد المنظم عن المطالبة بإصلاحات سياسية حقيقية ذات مصداقية، بقانون انتخابات يوفر تمثيلاً عادلاً، واشتراك الشعب من خلال ممثليه في البرلمان في صياغة السياسات العامة للدولة، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، ووضع حد لما تمارسه الأجهزة الأمنية من قمع للحريات ومصادرة لحقوق المواطنين، وتسلط على باقي أجهزة الدولة ودوائرها.

فالتخبط الاقتصادي المرتبط بالفساد المنظم وغياب الشفافية وتكلس الحياة السياسية وتشوهها توأمان سياميان، ومعالجة أي منهما يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع معالجة الآخر، في عملية إصلاح جذري وشامل تستجيب لاحتياجات الأردن في الأمن والاستقرار والسلم الأهلي والتنمية المستدامة والمتوازنة والديمقراطية واحترام الحريات العامة، وترسيخ دولة القانون والمواطنة، أساسها تثبيت مبدأ الفصل بين السلطات، بتقييد الصلاحيات المطلقة للملك، وحكومة منتخبة منبثقة عن الأغلبية في مجلس النواب وخاضعة لمحاسبته، وإيجاد توازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث لا تطغي سلطة على أخرى، من خلال إصلاحات دستورية جوهرية.

وتأخذ قوى وأحزاب المعارضة الأردنية على مجموعة الخطوات الإصلاحية التي أقرتها الحكومة أخيراً بأنها، كما يصفها المراقب العام السابق للإخوان المسلمين في الأردن سالم الفلاحات، “لم تكن كافية، ولم تحقق الحد الأدنى لمطالب الشعب الأردني، وكانت مجرد تنفيس للغضب الشعبي دون الوصول لجوهر المطالب الشعبية بإصلاح حقيقي يجعل الشعب مصدر السلطات، وأن كل ما جرى من تعديلات هي أمور شكلية، بل إنها أفرغت من محتواها، فقد شُكلت محكمة دستورية لكن مكوناتها ومن يحق له التقاضي أمامها ليس إلا مجلس النواب والحكومة فقط، كما أن الهيئة التي شُكلت للإشراف على الانتخابات كان يُفترض أن تكون مستقلة لكنها لم تكن كذلك فمعظم أعضائها موظفون حكوميون أو متقاعدون، إضافة إلى أن الذين سرقوا ونهبوا مقدرات الأردن لا زالوا يسرحون ويمرحون ولا يُقدمون للمحاكمة”.

وظلت الحكومة الأردنية مصرة على إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة بموجب قانون الصوت الواحد، غير آبهة بتجربتي انتخابات مجلس النواب 2007 و2010 اللتين انتهتا إلى قرار ملكي بحل المجلسين المنتخبين، والدعوة إلى انتخابات مبكرة، أعادت في الحالتين إنتاج المشهد الذي سبقهما وأدى إلى أزمات بين الحكومة والمعارضة، امتدت في العامين الأخيرين إلى الشارع الأردني الذي يشهد تحركات احتجاجية، أسبوعية تقريباً، للمطالبة بالإصلاح الشامل ووقف التدخلات الأمنية في الحياة العامة ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين.

ورغم أن الملك عبد الله الثاني أعلن قبل عام تقريباً عن حملة لمكافحة الفساد، طالت عدداً من كبار المسؤولين السابقين، من بينهم المدير السابق للمخابرات محمد الذهبي الذي حكم عليه قبل أيام بالسجن لثلاثة عشر عاماً بتهم تبييض الأموال واستغلال الوظيفة العامة لمصالح شخصية، إلا أن الشارع الأردني غير مقتنع بجدية الحكومة في معالجة ملف الفساد. ويضرب المعارض الأردني ليث شبيلات مثالاً صارخاً على كيفية تعامل الحكومات الأردنية مع ملف الفساد من الباب الدوار، ففي الوقت الذي أكدت فيه الحكومات الأردنية خلال العامين الأخيرين في برامجها على مكافحة الفساد، فجرت استقالة محافظ البنك المركزي الأردني فايز شرف، في أيلول/سبتمبر 2011، فضيحة كبرى حول تغلغل الفساد في المراتب العليا للدولة، حيث يقول شبيلات: إن استقالة شرف من منصبه وقعت ” عندما أصر على إضافة منحة مالية سعودية إلى خزينة الدولة، ورفض ضغوطاً مكثفة من جهات عديدة للتخلي عن عناده، والسير على سنّة من سبقوه في هذا الصدد..”.

وقبل ذلك ورد اسم فايز شرف في الوثائق التي سربها موقع “ويكيليكس”، في برقية صادرة عن السفارة الأميركية بتاريخ 30 آب/أغسطس 2011، وذكر فيها أن شرف رفض منح رئيس الوزراء الأسبق علي أبو الراغب رخصة لإنشاء بنك جديد في الأردن، وذلك أثناء عمله نائباً لمحافظ البنك السابق أمية طوقان. وقبل ثلاث سنوات اشتبك شرف علناً مع رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، أثناء عمله مديراً لوحدة الاستثمار في الضمان الاجتماعي، على خلفية خلاف حول شراء أراض تابعة للجيش في منطقة دابوق ومدينة الحسين الطبية، وكشفت مصادر أردنية مطلعة أن أحد أهم الملفات التي تصدى لها شرف، في الفترة القصيرة التي تولى فيها منصب محافظ البنك المركزي، تمثلت في تحويله إلى القضاء قضية غسيل أموال، اتهم فيها المستثمر الأردني حسن سميك بقيمة مائة مليون دولار.

وفي تفسير لاختلال التوازن في الاقتصاد الأردني الهش، أكد عبد الرزاق بن هاني، العضو السابق في هيئة الأوراق المالية الأردنية، أن “36 عائلة تمتلك 95 في المئة من ملكية 265 شركة عامة”. وأضاف بني هاني الذي سبق أن شغل أيضاً منصب أمين عام وزارة التخطيط، “إن القيمة السوقية لتلك الشركات تقدر بـ30 مليار دولار”.

وبشكل عام تنتقد القوى والأحزاب الأردنية المعارضة، وفي صفها الفعاليات الاجتماعية، السياسات الاقتصادية للحكومات الأردنية، التي أدت، من وجهة نظر المعارضة، إلى “إفقار البلاد وتدوير الأزمات وتفكيك الحياة الاجتماعية، وتصنيف الشعب إلى غالبية من الفقراء، وأقلية من الأغنياء..”. وأدت أيضا ًفي ظل الظروف المستجدة، من قطع للغاز المصري وتراجع الدعم المالي الخليجي للموازنة الأردنية وتفاقم الآثار السلبية لتطبيق شروط صندوق النقد الدولي، إلى حشر حكومة عبد الله النسور في زاوية رفع الدعم عن المشتقات النفطية، رغم مغبة الإقدام على هذا الإجراء الذي كاد أن يطيح بالحكومة التي سبقتها برئاسة فايز الطراونة، لولا تدخل الملك بالإيعاز لها بوقف قرار رفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة 10 %.

لكن تدخل الملك على النحو السابق لن ينجح على الأغلب هذه المرّة بتهدئة غضب الشارع الأردني، الذي كسر، حسب رأي المراقبين، في الاحتجاجات الأخيرة “حاجز الخطوط الحمراء”، برفع شعارات ضد الملك شخصياً، والهتاف بـ”إسقاط النظام”، وتحذير حزب “جبهة العمل الإسلامي” المعارض من عصيان مدني.

فاتورة ثقيلة من الإصلاحات الدستورية والسياسية والاقتصادية الشاملة على نظام الحكم الأردني أن يدفعها، وإذا لم يفعل، فإن تأخره في الدفع سيقود إلى رفع سقف المطالب الشعبية، وهو اليوم بات أمام فاتورة مضاعفة لتلكئه في الاستجابة مبكراً لهذه المطالب.

المصدر : RIAN

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock