تقارير اقتصادية

الكميم: تفرد المركزي بالسياسة النقدية جزء من التدهور في سعر العُملة

“الوضع الاقتصادي في اليمن مقلق” بهذه الكلمات بدأ عبد العزيز الكميم عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى والسفير السابق ووزير التموين والتجارة الأسبق حواره مع “26 سبتمبر”؛ شارحا دواعي قلقه من الأوضاع وناقدا بشكل ساخن كثيراً من السياسات الاقتصادية الحالية ابتداءً من السياسة النّقدية للبنك المركزي أو القرارات الحكومية بفرض رسوم إضافية على بعض السلع المستوردة.
في الحوار قضايا كثيرة تميّزت أغلبها بالجُرأة والصراحة وهي رؤية ربما تكون مهمّة في ظل محاولات الخروج من عُنق الزجاجة وطرح مختلف الرؤى الوطنية للوصول إلى تدابير وخُطوات تعيد للاقتصاد عافيته… وهنا نص الحوار.

في البداية سألته عن رؤيته للمشهد الاقتصادي اليمني في التطوّرات الأخيرة فأجاب:
-الوضع الاقتصادي في اليمن حقيقة يقلقني، فالمشكلات الاقتصادية تتفاقم وتؤثّر على إجمالي حركة البلد ككل. وللمشكلة عوامل كثيرة بعضها يرتبط بالاقتصاد العالمي وعوامل ترتبط بنا داخليا. وفي البعد المحلي هناك المشكلة السكانية وتراجع الإنتاج بكل مكوناته سواء تراجع النفط أو الإنتاج الزراعي والسمكي ، وخارجيا العوامل التي واجهت الاقتصاد العالمي وآخرها الانهيارات التي حصلت في أمريكا عام 2008 وتتابعت ذيولها وهي مستمرة إلى الآن وكلنا تأثرنا بها خصوصا وأن اقتصادنا ضعيف مقارنة مع اقتصاديات الدول الأخرى.

سعر العُملة
*من بين تجليات الأزمة الاقتصادية تراجع كبير في سعر صرف الريال، ما هو تفسيركم لما يحدث؟ وكيف يمكن أن يتعافى الريال؟

-كما قرأنا وسمعنا وتابعنا عدّة تحليلات حول الموضوع، المشكلة تبدأ من أن عوائدنا النفطية والتي نعتمد عليها بصورة كبيرة تراجعت والنفط يشكل 70 بالمائة من الدخل القومي، أيضا لم نحاول أن ننمِّي موارد أخرى مثل الضرائب عن طريق زيادة عدد المكلفين ودفع مختلف أنواع الضرائب، والعوائد الحكومية متناقصة للأسف، وهناك مشاكل في الإنفاق إضافة إلى دعم المشتقات النفطية، ولا يعقل أن ندعم المشتقات النفطية بحوالي 759 مليار ريال كما جاء في الحساب الختامي للحكومة للعام 2008، وهذا مبلغ كبير يأكل الأخضر واليابس، ولكن سأقول لك: قد لا يكون قرارا صائبا الآن أن نرفع الدعم مرّة واحدة فهذا يؤدي إلى نتائج سلبية على الصعيد الاجتماعي والإنساني، لكن لا بُد من الدولة بكل تكويناتها سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية أن تعمل على خفض هذا الدعم تدريجياً، وفي نفس الوقت نعوض موظفي الدولة الذين يتأثرون من ذلك لأن الآخرين وخصوصاً المنتجين في القطاعات الاقتصادية المختلفة قادرون على تحمل الأعباء، ولا بُد أن نخطو خطوة جادة في هذا الموضوع، رفعنا الدعم قبل حوالي 10 سنوات عن القمح والدقيق، وكانت الظروف وقتها طيّبة والأسعار معقولة، ولم يكن هناك تأثر كبير، وأذكر أن الفارق حينها كان 104 ريالات، بين المدعوم وغير المدعوم، لكن أن نقدّم دعما يوازي ميزانية التعليم والصحة وخمس قطاعات خدمية أخرى فهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر وتفكير.

*وماذا عن تطوّرات العُملة الوطنية؟
-لي موقف مُعلن قبل حوالي 10 سنوات حول قانون البنك المركزي، الذي جاء إلى مجلس الوزراء، وأقر على عجل، القانون يعطي البنك المركزي ما يسمّى بالاستقلالية وبأن يرسم السياسة النّقدية، وقد كان لي وقتها اعتراض على ما يسمى بالاستقلالية الكاملة للبنك المركزي في رسم السياسة النّقدية. وخلال هذا الوقت سجّلت في مجلس الوزراء اعتراضا، وقُلت: إنه لا يجب أن تتولّى جهة واحدة أو شخص واحد رسم سياسة البلد، فسعر العُملة يؤثّر على كل مواطن يمني صغيراً كان أم كبيراً، وهذا ما وصلنا إليه الآن. إن تفرّد البنك المركزي والمحافظ شخصيا بالسياسة النّقدية هو جزء من التدهور الحاصل في سعر عُملتنا الوطنية.

مجلس للنقد
*وما هي مقترحاتكم الآن لتلافي الوضع؟

-قترح على رئيس الوزراء أن يشكل مجلسا أعلى للنّقد بعضوية وزيرين ويوضع المحافظ فيه ولا داعي لتوسيعه. السياسة النّقدية أمن قومي للبلد، وهل يعقل أن نطبع فئة 250 ريالا ممّا جعل المواطنين يعتقدون في قرار أنفسهم بأن هذا هو سعر الريال وسيصل الدولار الواحد إليه. وتصرف البنك المركزي سواء بطريق مباشرة أو غير مباشرة خلق عدم استقرار لدى المواطن إزاء العُملة الوطنية، وهل يعقل أن نطبع عُملة دون النظر إلى آثارها وجوانبها المختلفة. وهو سؤال موجّه إلى صاحب السياسة النّقدية ليرد ويبرر، وهو سيبرر كالعادة بقائمة عريضة على شاكلة المانحين والبنك الدولي وصندوق النّقد الدولي، ولكن أعتقد بأن طبع فئة 250 ريالا كان خطأ كبيرا. هناك أيضا سياسة بيع العُملة والمزايدة عليها، فيتم بيع الدولار بسعر معيّن ثم يفاجأ السوق ببيعه في اليوم الثاني بسعر أعلى، والبنك المركزي هو من يفرض السعر الأعلى وتبدأ البنوك في البيع بزيادة أخرى، فلا بُد أن نغيّر سياسة من يدفع أكثر. للأسف الشديد رفع سعر الفائدة إلى 20 بالمائة لم يكن سليماً، كان البنك المركزي خفّضها مع بداية الأزمة المالية العالمية في مارس 2008، وكان عليه أن يدرك أن العالم مقبل على الأزمة وليس صحيحا أننا لم نتأثر من الأزمة كما كان يُطرح من قبل. كان يفترض أن تبقى أسعار الفائدة كما هي، لكن بعدها تم رفعها من 10 إلى 15 ثم إلى 20 بالمائة ممّا أفقد الثقة في الريال، ولو استقر سعر الريال أمام الدولار فترة شهرين أو ثلاثة يمكن رفع الفائدة لاستقطاب المدّخرات بالريال ممّا يحافظ على سعر العُملة. ولكي أكون منصفا فالبنك المركزي حاول في السنوات الماضية أن يتدخل وكان الارتفاع طفيفا بضع سنتات، لكن ما حدث خلال الأشهر الثلاثة الماضية غير منطقي ولا بُد من الوقوف أمامه من قبل الدولة وليس البنك المركزي أو المحافظ. بالمقابل أتمنّى على البنك المركزي أن يعطي مرونة في الإقراض بالنسبة للبنوك التجارية، صحيح بعد مشكلة البنك الوطني كان شديدا مع البنوك التجارية، وكان على حق، لكن نريده أن يمنح قليلا من المرونة في الإقراض، وفي وضع المُخصصات حتى تقوم البنوك بتشغيل النّقود التي لديها سواء في المشاريع أو الاستثمارات، ولو أن رفع نسبة الفائدة إلى 20 بالمائة سيعيق حركة الإقراض ويشجع على الكسل الاستثماري بأن يضع الناس الأموال في البنوك وينتظرون العوائد، وأتمنّى أن نخرج من هذه الأزمة وتنخفض هذه النسبة وتعود حركة الإقراض. أيضا القضاء له دور، ويفترض أن تسرع المحاكم التجارية في البت بالقضايا المتعلقة بالبنوك حتى تستطيع أن تتوسّع البنوك في عملية الإقراض وتستعيد حقوقها بسرعة دون أن تخسر كثيرا بسبب ضياع الوقت وقيمة النقود نفسها.

رسوم إضافية
*وكيف ترون قرارات الحكومة الأخيرة بشأن فرض رسوم إضافية على عدد من السلع المستوردة؟

-نحن غادرنا عصر الترشيد، وأصبحنا في عصر تحرير التجارة، منذ بدأنا برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1995، ولا يجب أن نعود إليه، الأمر الآخر أرى أن قرار الحكومة هذا متسرع مع احترامي، وكان يجب أن يأخذ وقتا من الدراسة، ويجب أن يعاد النظر فيه، صحيح أنه قد يفيد بعض التجار، ولكنه أيضا سيضر بالبعض الآخر، وأمامنا في الوقت نفسه قوانين مثلما هو حاصل في مصر قانون حماية الاقتصاد الوطني، وحُرية التجارة لا تعني أن كل شيء مفتوح، لكن تستطيع أن تغلق وارداتك أثناء مواسمك، كما تعمل الدول الغربية، وبالذات في الحاصلات الزراعية، وأغلب السلع التي فُرضت عليها رسوم هي سلع زراعية. الشيء الآخر أن وزير الصناعة والتجارة سيذهب هذا الشهر إلى واشنطن لكي يتفاوض مع الإدارة الأميركية بشأن انضمام اليمن إلى منظمة التجارة العالمية، وكان يفترض أن ندرس أثر هذه القرارات على ما سيدور مع الوزير، وكان يفترض تقديم دعم سياسي له في مفاوضاته، بحيث ينجح وأتمنّى له النجاح في المفاوضات القادمة؛ لأنها صعبة قبل القرارات، وستكون أصعب بعدها.

زيادة التهريب
*ما هي انعكاسات فرض رسوم إضافية برأيكم؟

-سيزداد التهريب بدون شك، وبدل هذا وذاك فلننظر في قضية الديزل وتهريبه وآليات بيعه وتسويقه وستوفّر المليارات، لا يجب أن نذهب بعيدا عن المشكلة الرئيسية، أما هذه القضايا فهي حلول وقتية ولن تأتي بعائد كبير على الإطلاق. ويجب أن يذهب الإنفاق الحكومي إلى المشاريع المخصصة، وأن نحسن اختيار منفذيها، ونعزز الرقابة الفعّالة، كما يجب أن تحصّل الضرائب من كل قطاعات النشاط الاقتصادي.

شركات مساهمة
*أغلب الشركات في اليمن عائلية ومغلقة، كيف ترون تأثير ذلك على النشاط الاقتصادي، خصوصا في ظل التوجّه لتأسيس السوق المالية؟

-للأسف، أغلب شركات المساهمة العامة التي تأسست على مدار ثلاثين عاما فشل 90 بالمائة منها تقريبا، ولم يتبق منها سوى نحو 20 شركة، وأغلبها مغلقة، أنا دائما أدعو كمواطن إلى تشجيع إنشاء شركات المساهمة العامة، وبالذات ذات المردود السريع، وهي تحتاج إلى السوق المالية، والتي يعمل عليها الأخ وزير المالية ووكيل الوزارة جلال يعقوب، ويسعون إلى إنشائها خلال هذا العام أو العام القادم، وهي تتطلب أن تسجّل الشركات نفسها وتُعلن ميزانيتها الحقيقية، وتحدد قيمة السّهم وتعلنه للناس ويتم تداوله. وعندنا تجربة “يمن موبايل”، وأنا من صغار المساهمين فيها، والتي هي فكرة إنسانية بالدرجة الأولى وتساعد البسطاء. وهي فرصة أن أوجّه الشكر والتقدير إلى فخامة الرئيس علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية، والذي وجّه أن يكون جزء من رأسمال الشركة للمساهمة العامة، وهناك بالفعل 28 ألف مساهم في يمن موبايل أغلبهم من ذوي الدخل المحدود، الذين يشعرون بالسعادة عند ما يتسلمون مبلغا من المال يعينهم على حياتهم، وأتمنّى من الأخوة في “سبأفون” و”إم. تي. إن”، أو في مصانع الأسمنت الخاصة أو المطاحن وصوامع الغلال أن يعطوا 5 أو 10 بالمائة من رأس المال للمساهمة العامة، وأن تبقى الإدارة في أيديهم، حتى نحافظ على السلم الاجتماعي لكي نعيد إيجاد طبقة وسطى تحافظ على الاستقرار، وحتى يشعر المواطن البسيط، والذي لديه قليل من المال، أنه قادر على شراء الأسهم، وأن يبيعها وأن تحقق له عائدا، هل تعلم أن “يمن موبايل” دفعت لمساهميها إلى الآن 40 بالمائة من قيمة أسهمهم في سنتين فقط وهو ما لم يحدث مطلقا في شركات أخرى.
*كعضو في اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى كيف تناقشون الأوضاع الاقتصادية ورؤيتكم لمعالجة الأزمات؟
-اللجنة الاقتصادية تضم عددا من الأخوة الزملاء والأعضاء وكلهم كانوا مسؤولين وتمرّسوا في العمل العام لسنوات طويلة، واللجنة الاقتصادية بل مجلس الشورى برئاسة الأستاذ عبد العزيز عبد الغني أول ما بدأت الأزمة الاقتصادية التقى بوزير المالية ووزير النفط ومحافظ البنك المركزي وتناقشنا كثيرا وقدّمنا رؤية، ولا زلنا نتابع. كما التقينا أخيرا مع نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير التخطيط والتعاون الدولي بحسب تكليف رئاسة المجلس، وبإذن الله نعد تقريرا حول المانحين، وما وصل إليه مؤتمر لندن ومؤتمر الرياض، وفي الختام رأينا استشاري ولا يخرج كثيرا عن الرؤية الحكومية مع بعض الفروق في الاجتهاد أو المدرسة الاقتصادية وظروف التقييم.

المانحون
*على ذكر المانحين هل هناك رضًى عن مستوى الدعم الاقتصادي الدولي لليمن؟

-كثرة المؤتمرات أرى أنها غير مفيدة، ولا نتائج كبيرة من ورائها، صحيح حصل الدعم السياسي القوي لكن لا بُد أن يُترجم في خطوات ملموسة، والأخوة في التخطيط الصورة لديهم أوضح.

*هل لديكم إضافة أخيرة؟
-نعم، أطلب من فخامة الرئيس أن يرأس 3 أو 4 اجتماعات سنوية للمجلس الاقتصادي الأعلى والهيئة العامة للاستثمار، بحيث تعد الجهات المختصة ملفات لقضايا تنموية واستثمارية وأن يحضر هذه الاجتماعات وزيرا الداخلية والدفاع، ورئيس مجلس القضاء الأعلى وتبحث هذه الاجتماعات المشاريع الاستثمارية العملاقة وما نريده من مشاريع وتذليل المصاعب من أعلى مستوى في البلاد. الأمر الآخر أتمنّى أن تنظر الدولة في تدوير الوظيفة العامة، فهناك رؤساء مصالح ومؤسسات لهم من 10 إلى 15 سنة في مناصبهم، وهي قضية مهمّة جدا تعالج حالة الجمود في القطاع الاقتصادي، وأمر آخر أتمنّى من الأخوة في هيئة الاستثمار عدم المبالغة في أرقام الاستثمارات، فعند ما كُنت في الهيئة أوقفت التصريحات عن المشاريع، وعند ما طلبت تفاصيل المشاريع المرخّصة وجدت أن 52 بالمائة منها فقط نفّذت وأغلب المنفّذ فنادق فئة نجمة أو نجمتين أو مستوصفات (مسالخ بشرية)، ما عدا قلّة منها، فمن المُهم ألاّ ندغدغ مشاعر الناس بأرقام ليست حقيقية أو قائمة، وكذلك على الإعلام الرسمي أن يرشّد بعض الأخبار التي فيها مبالغات من قبيل تنفيذ إحدى الشركات مشروعا قيمته 20 مليار دولار في إحدى المحافظات، وكان هذا شططا وخيالا.

26 سبتمبر نت

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock