ملفات خاصة

ثورة ال 26 سبتمبر ..من الحكم الفردي المستبد ..الى النظام الديمقراطي التعددي

يحتفل شعبنا اليمني العظيم بالذكرى ال 48 لثورة ال26 من سبتمبر 1962 م في عهد سياسي جديد حقق لشعبنا مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية  في ظل نظام ديمقراطي كفل للمواطن اليمني  حق انتخاب ممثليه للسلطة التشريعية والمحلية بعد ان طوت الثورة اليمنية عقود من الجهل والتخلف والحكم الفردي المطلق الذي أنتهج حكم الإمامة في ظله أساليب غاية فى الغرابة لتأمين استمرار يته.. وهي أساليب فاقت ما كان معروفا فى العصور الوسطى؛ تنوعت ما بين ترويج الأساطير عن قدرة الإمام وكراماته والحق الالهي في الحكم ومنها أنه “لا يغلب ولا يقطع السيف رقبته أو يخترق الرصاص جسده، ويسخر الجن ويتحول إلى طائر أخضر يذهب للصلاة فى الكعبة كلما أراد، وأن من ينتقد الإمام بقلبه كان منافقا، ومن ينتقده بلسانه فهو زنديقا، ومن خرج عليه كان كافرا  .
لقد انتصرت ارادة شعبنا في هذه الثورة الام  على قوى الظلم والتسلط والاستبداد الإمامي الكهنوتي في شمال الوطن، وانطلقت من خلالها شرارة التحرر لتشعل بركان الحرية الذي هبت نيرانه الثورية كالصواعق المدوية في جبال ردفان الشماء معلنة ميلاد ثورة 14اكتوبر المجيدة التي كان ميلادها القوي والناضج بداية النهاية لقوى الاستعمار الغاصب ورحيل المحتل الاجنبي  عن جنوب الوطن الغالي الذي اكتوى بوهج انتصار ثورة 26سبتمبر المباركة قبل ان تحرقه بسعيرها نار ثورة ال14 من اكتوبر المجيدة التي زلزلت الارض تحت اقدام قواته المحتلة واجبرته حممها الملتهبة على الرحيل ليلقى بذلك نفس المصير الذي آل اليه آخر أئمة الحكم الكهنوتي المستبد وبقايا عملائه واتباعه المتسلطين في شمال الوطن الذين سقطوا في مزبلة التاريخ يتجرعون كأس المذلة والهوان …التفاضيل في سياق السطور التالية :{xtypo_rounded_left2}ثورة ال 26 سبتمبر ..انتصار ارادة الشعب اليمني وهزيمة الحكم الكهنوتي
سقوط  قوى الظلم والتسلط والاستبداد اشعل فتيل شرارة التحرر من الاستعمار
الامامة كرست الحق الالهي المزعوم للسلطة وحرمت الشعب من التعليم
الحكم المطلق عمق الانقسام الطائفي  ونسج الاساطير  واشاع المقاصل  
النظام الكهنوتي رفض تاسيس جيش واتبع أساليب الدس والوقيعة بين القبائل
اقتصاد معدوم وثقافة منغلقة وحياة اجتماعية بائسة
كرامات الكهنوت فاقت كل الاكاذيب ومنها :
السيف لا يقطع  رقبة الامام  أو يخترق الرصاص جسده
يتحول  الامام إلى طائر أخضر يذهب للصلاة فى الكعبة  {/xtypo_rounded_left2}
كانت الامامة الاكثر تخلفاً بين انظمة العالم.. نظام يقوم على الطائفية المذهبية وجباية الزكاة فقط لا مستشفيات ولامدارس ولا طرق ولا جامعات لا شيء على الاطلاق، بل جهل وامراض ومخافة وامام – حسب تعبير الشهيد الزبيري -رحمه الله.
وفي المقابل كانت اليمن ـ ومن وجهة النظر العربية ـ نقطة ارتكاز حيوية فى الأمن القومى العربي  بحكم موقعها الإستراتيجى فى جنوب البحر الأحمر وفى مواجهة السودان والقرن الإفريقى وباب المندب ، وأدركت الثورة فى مصر مبكرا أن أى تغيير سياسى فى اليمن يمكن أن يحدث ردود فعل إيجابية لصالح حركة التحرر الوطنى فى الوطن العربى كله  .
  الكهنوتية ..التخلف
انفردت الامامة بالسلطة في اليمن سنة 1329هـ، وظلت تحكم اليمن بالحديد والنار والظلم والقهر للشعب اليمني، وبلغ الأمر ذروته في عهد الإمام يحيى وولده الإمام أحمد، مما جعل الشعب يثور مرة بعد مرة، فاغتيل الإمام يحيى سنة 1367هـ ولم يتعظ ولده أحمد فمشى على نهج أبيه وبالغ في العدوان والطغيان والتنكيل بخصومه، وأغرق الشعب اليمني في التخلف ومخدر القات الذي كان يتولى زراعته بنفسه ويبيعه للشعب بأبخس الأسعار لضمان السيطرة، وقامت عليه عدة محاولات انقلابية حتى اغتيل في 20 ربيع الآخر سنة 1382هـ وتولى مكانه ابنه البدر الذي أكد أنه سيسير على نهج أبيه، وكانت البلاد محتقنة والشعب ثائر فلم يمض على توليته الإمامة سوى أسبوع واحد،
وفي يوم ال26 من سبتمبر 1962م سقط الى الابد اعفن نظام كهنوتي استمريحكم البلاد عقود عدة من الزمن ذاق خلالها شعبنا  مرارة الحكم الإمامي الرجعي  المتخلف وتسلطه الفردي القهري الظالم والمستبد الذي مارسه بوحشية وقسوة ضد ابناء الوطن وقهروا به ارادة شعبنا وصادروا من خلاله ابسط حقوقه الانسانية في العيش الكريم وحريته الشخصية والعامة في التعبيرعن الرأي والمشاركة في الحياة السياسية،
فالنظام الكهنوتي جعل شعبنا عرضة وفريسة سهلة لأعداء البشرية والحياة الانسانية الثالوث الخطير والقاتل الجهل والفقر والمرض بعد ان حولوا الوطن بسياساتهم القمعية والاستبدادية الى معتقل رهيب وسجن مظلم مخيف انتشرت في محافظاته ومدنه زنازين التعذيب وقلاع التنكيل وسراديب التحقيق والتخويف بدلاً عن مدارس وجامعات التعليم ومستشفيات العلاج والتطبيب وطرق المواصلات والتنمية .
مقاصل وجبروت
لقد حول الحكم الكهنوتي الساحات والميادين العامة على امتداد الوطن الى مقاصل لقطع وتعليق الرؤوس ومجازر لازهاق الارواح وسفك الدماء البريئة لأبناء الوطن المناضلين ورجاله الابطال الذين لم يرضخوا لذلك النظام الامامي القمعي ،و لم يستسلموا لحكم الطغاة الاستبدادي الكهنوتي ولم يرعبهم تسلط وجبروت الإمامة الظالم او تثنهم معتقلاته الرهيبة وسجونه المخيفة وسيوفه الوحشية  عن الاستمرار في نضالهم من اجل الحرية ومواصلة كفاحهم ضد قوى الظلم والاستبداد أعداء الحياة الانسانية والمساواة والعدل الاجتماعي والتقدم الحضاري والديمقراطي .
و كان النظام الكهنوتي يرفض وجود جيش أو قوة عسكرية من أى نوع لكي لاتكون مصدر خطر فى يوم من الأيام، ويلجأ إلى استخدام أساليب الدس والوقيعة بين القبائل بعضها البعض، والاحتفاظ بأبناء زعاماتها، ومنهم من كان طفلا يؤخذ ومعه أمه، كرهائن فى صنعاء لمنع أى منها من التمرد على الإمام، وتتكفل القبيلة بنفقات الطعام والملبس للرهينة، ويتكفل الإمام بالمأوى والقيود، وكان عدد الرهائن يتراوح ما بين الألف والأربعة آلاف.
  اقتصاد معدوم
ان الحكم الامامي المتخلف لم ينتج سوى اوضاعا اقتصادية واجتماعية وثقافية متخلفة حيث كان الإمام هو من يتحكم فى ثروات البلاد، ويستخدم وسائل المنح والمنع لضمان الولاء فى كل أرجاء اليمن، وتعميق الانقسام الطائفى ، ويملك الأرض والبشر ولا حاجة للرعية أن يتعلموا أكثر من الفاتحة وفرائض الصلاة . كانت المدارس فى اليمن كله ، ثمانية فقط, وثلاثة من الأطباء الأجانب هم الذين يتولون متابعة أحوال الصحة العامة فى اليمن، وكان الإمام يجسم الخلافات بين القبائل وطوائف الشعب فى وقت لا توجد فيه فوارق حقيقية سواء على المستوى الثقافى أو العقيدى بينهم .
    وتؤكد الدراسات الاقتصادية ان كل اقتصاديات البلد  ظلت فى يد الإمام شخصيا وما تسمى بالحكومة أو وزراء المال وغيرهم ما هم إلا صور آدمية تتمتع بمجرد حمل اسم الوظيفة شرفيا ، وقد اختار الإمام شريكا له فى استغلال أموال الدولة واستثمارها لصالحه الشخصى المدعو على الجبلى، وهو أحد تجار عدن ممن كونوا ثروتهم عن طريق الاتجار مع إسرائيل بدعم من الحاكم البريطانى لعدن نظير عمالته لبريطانيا فى التجسس على شئون اليمن ، وأصبح هذا العميل المتصرف الأول والبنك المتنقل لتصريف شئون اليمن خارجيا وداخليا طبقا لأوامر الإمام  .
حياة بائسة
ولذلك عاش شعبنا اليمني في ظل الحكم الإمامي الكهنوتي القمعي المتسلط والمتخلف حياة بائسة وقاسية عنوانها الجهل والفقر والمرض ومضمونها الظلم والقهر والاستبداد الطبقي والتفرقة الاجتماعية فيما بين ابناء الوطن والعقيدة والانتماء الواحد الذين عانوا خلال تلك الحقبة التاريخية السوداء والمظلمة في حياة شعبنا اليمني والامرين مرارة الجهل والتخلف ومرارة العزل والانغلاق السياسي والاقتصادي والصحي والعلمي وكل ما له علاقة وارتباط بالحياة الانسانية العصرية والمعيشية الاجتماعية الكريمة.
وتجمع الدراسات الاستراتيجية على ان حياة ابناء اليمن في ظل الحكم الامامي كانت شبيهة بحياة الاموات المدفونين بالحياة وذلك ابلغ تشبيه لطبيعة الاوضاع السياسية القاسية والظروف الاجتماعية المعيشية والصحية المأساوية التي كانت سائدة في البلاد والتي سيطر من خلالها أئمة الحكم الإمامي الكهنوتي على شعبنا وفرضوا عليهم حكمهم الاستبدادي الظالم وسياستهم الرجعية المتخلفة المعتمدة على القمع والترهيب والقتل والتعذيب التي اتخذت اشكالاً عدة واساليب متخلفة والتي لم تستطع يوماً ان تحمي النظام الإمامي الظالم من غضب ابناء شعبنا رغم شدة قسوتها او أن تصد وتدافع عن حكامه المستبدين انتقام الشعب رغم جبروتهم وقوة تحصيناتهم ومعتقلاتهم.

ثقافة منغلقة
 كما اختط الإمام احمد لنفسه سياسة ثقافية منغلقة استهدفت حرمان الشعب اليمنى من الثقافة استنادا إلى النتيجة التى بدت واضحة له من خلال انقلاب فئة المثقفين الذين أتاح لهم والده الإمام يحيى فرصة تلقى الثقافة العسكرية والمدنية خارج اليمن، ولذلك حصر الثقافة فى مدرستين دينيتين اقتصر التدريس فيهما على دراسة أصول الدين والشريعة الإسلامية متيحا فرصة التعليم فقط لأبناء الأسرة الحاكمة وتوابعها الموالين لها ، الأمر الذى دفع بعض الشبان من أبناء الشعب إلى الهرب من اليمن واللجوء إلى القاهرة أملا فى الحصول على العلم وتثقيف أنفسهم ، وكان منهم نواة الشباب الأحرار.
يقول الشهيد الزبيري عمّا كان يروج له الإمام من ثقافة تجهيلية:  عندما تمطر السماء، يقال له هذه بركات الإمام.. وعندما تمحل يقال له هذه دعوة من الإمام ضد العصاة المتمردين.. الزكاة لا تعطى إلا للإمام، وبعض الصلوات لا تؤدى الا بوجود الإمام ثم يجيئ الرخاء فيكون بفضل الإمام – ويحل الفقر والبؤس والموت فيحال البائسون المقتولون التعساء إلى رمان الإمام وعنبه ونعيمه في الجنة.
ويدلل الزبيري في كتابه « الامامة وخطرها على وحدة اليمن»  على انه ذات مرة حلّت إحدى المجاعات الإمامية الرهيبة باليمن ومات أكثر أهلها بعد أن أكلوا الكلاب والقطط، وكانت خزائن الحكومة ملأى بالحبوب وراح الناس يسألون الإمام يحيى النجدة فصعر خده لهم وقال كلمته المشهورة: «من مات فهو شهيد ومن عاش فهو عتيق»
التخلف الاداري    
كان الحكم الامامي الفردي البغيض لايؤمن بدولة مؤسسات ولا دولة نظام وقانون ودستور، فالإمام أحمد وعلى مدى عقود طويلة من الزمان قد حول اليمن إلى سجن كبير، وكان همه الأكبر هو الإمساك بمفاتيح السجن فى جيبه، ومن ثم  فقد حرم الشعب اليمنى من أية إطلالة على العالم الخارجى أو التفتح على علوم العصر ، ولكنه كان فى الوقت نفسه فى حاجة إلى جهاز إدارى، ولما كان لا يوجد فى اليمن أية هياكل تعليمية أو تدريبية لإمداد هذا الجهاز بالكوادر الضرورية؛ من ثم فقد عمد إلى إيفاد بعض عناصر الشباب من فترة لأخرى إلى مصر ولبنان وإيطاليا لتلقى الحد الأدنى من التعليم المتوسط ثم العودة لممارسة وظائفهم تحت عيون جواسيس الإمام ، وكان غالبية هؤلاء الشباب من أبناء زعماء القبائل مما حولهم إلى رهائن فى قبضة الإمام  .
كما ان الحكم الفردي كره العلم وأهله، كما كره النور الذي هيأه الله لعباده، أو أن يعيش أبناء الشعب حياة نظيفة وشريفة وطاهرة وكره كل ما من شأنه أن يساعد على إشاعة النور وحلوله بدلا من الظلام. كما تعلق بالجهل، رافضاً أن يدع العلم الحقيقي يدخل إلى أذهان الناس وعقولهم، ورفض أن يتمتع الشعب بصحة جيدة ونظافة تامة واستقرار يقوم على أسس فيها الخير كل الخير للشعب والوطن. لقد كمم الأفواه بالبطش القاتل وأخرس الألسنة ومنع كل عاقل متنور من أن ينقل ما تعلمه في المدارس والكليات، خارج حدود اليمن لدرجة أن التهديد بإعدام كل من يحاول الخروج على الأنظمة التعسفية العفنة وكل من يتصدى لجحافل الجهل والظلام بفيض كبير من العلم والنور والمعرفة، والتهديد بقطع الرأس مهما كلف الأمر.
  تكريس التجزئة
كرست الامامة التجزئة في الوطن وزادت بتعميق الانقسامات في المجتمع اليمني حيث يقول المناضل محمود محمود الزبيري مشيرا الى خطر الإمامة على الوحدة الوطنية قائلا : نجحت الإمامة  في تصنيف الشعب الى فريقين مختلفين كل فيهما مطية إلى هدف من أهدافها، وإذا كان القسم اليمني (الجنوبي )يقاسي الكثير من السلب والقهر فالقسم الأعلى يتجرع السموم الروحية التي ترغم أبناءه على الطاعة العمياء للإمام دون مناقشة ولا حساب ودون أن ينتظر جزاء.
ويؤكد المناضل الزبيري في مؤلفه- السابق ذكره – بأن شخصية اليمنيين انسحقت في ظل الإمامة وحرّمت عليهم قيادة بلدهم، وصار التفكير فيها جريمة دينية وسياسية في وقت واحد وشوه التاريخ اليمني فأصبحنا لا نقرأ فيه إلا أسماء القديسين الآلهة من الأئمة وأذنابهم وأشياعهم أما شخصية الشعب فما يكاد يرفع رأسه للعزة والكرامة بطل من أبطالها حتى يسرع به الأئمة الأطهار ويبعثوا به مشيعاً بلعناتهم إلى قبره، ثم لا يذكرونه في التاريخ إلا على أنه الباغي عدو الله الفاسق الملحد الكافر التأويل إلى آخر هذه الألقاب.
 الحق الالهي ..كذبة كبرى
كان النظام الكهنوتي يدعي الحق الالهي في السلطة وهذه الكذبه الكبرى اعتاد الطغاة الاعتماد عليها لترهيب البشر اذ لايوجد في الانظمه السياسية منذ الخليقة الاولى من يدعي انه يمتلك هذا الحق المزعوم ..هذه الفرية مارسها الطغاة مستغلين الظروف الناجمه عن سياسة تجهيل الشعب اليمني وتجميد حياته في حين ان كل الطغاة في التاريخ كما يقول( الزبيري ) لا يستطيعون التربع على عروشهم إلا على أساس عصبية أو طبقية يكسبونها في قومهم ويشركونها في مكاسبهم ويضطرون إلى إسترضائها بضروب من الزلفى والاصلاح، حتى في أشد عصور التاريخ ظلاماً إلا أئمة اليمن فلم يشعروا بالحاجة الى شيء من هذا فقد استطاعوا أن يقنعوا الشعب بألاّ ينتظر من وراء نصرتهم وخدمتهم أي جزاء وشعارهم المأثور:
من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء جلباباً حسب الواحد منهم أن يتربع على العرش ثم يقول للناس أن الله هو الذي ولاّه، أن الله هو الذي أمر الناس أن يطيعوه وأن يخدموه وأن يقدسوه وأن يموتوا في سبيل نصرته.. إن حكمه ليس مستمداً من الشعب ولا من فضل الشعب بل هو منحة من السماء، إنه ظل الله ونائب الله وخليفته.
وبهذه النفسية المريضة والماكرة مارس الإمام أعباء منصبه وتكاد هذه الأعباء تنحصر في استصفاء ثروة الشعب باسم الزكاة، وقمع الانتفاضات الشعبية باسم الجهاد وقتال البغاة، ثم بناء مسجد باسم الإمام تضاف الى جواره غالباً قبة الضريح لهذا الإمام تمد نفوذه الروحي حتى وهو في القبر، ثم تركة ضخمة من الأراضي يخلفها لأولاده وأحفاده بعد أن يبتزها من الشعب.
مساوئ اخرى
ويمضى الشهيد الزبيري في وصف مساوئ الإمامة، فيقول: نعتت الإمامة أصحاب النحل الإسلامية منهم كالأشعرية بأنهم كفار تأويل لاستغلال هذه النظرية في مآرب سياسية واقتصادية..وحتى في مسائل الفقه التي قد تمس شؤون الحكم والإدارة من قريب أو من بعيد فإن مذهب الإمام هو المفروض على الشعب في الشمال والجنوب ولا قيمة لأي اجتهاد يخالف مذهب الإمام، وعدا هذا كله، فإن حرية الإجتهاد تضاءلت فعاليتها واضمحلت على مدى السنين وحلّت محلها حقيقة رهيبة وهي أنها بينما كانت توجد عند العلماء حرية صورية من الناحية النظرية فحسب كان دعاة الفكرة الإمامية يعملون في أوساط القبائل في اتجاه عكسي ينشرون عقيدة التقديس والتأليه لمنصب الإمام وكل ما يحيط بهذه العقيدة الأساسية من نظريات تابعة لهم تخدم كلها عرش الأئمة وتصنع لهم، من عنصر القبائل قاعدة شعبية متعصبة جاهلة تلغي كل قيمة لحرية الاجتهاد وتخمد أنفاس العلماء الأحرار وتجعلهم يعيشون في ما يشبه الحصار الخانق طوال حياتهم حتى إنه قد يخلف الإمام المتعصب إمام معتدل يحاول تشجيع العلماء الأحرار ولكن الطبقة الحاكمة من الأشياع حوله يحركون العناصر المتعصبة المحاربة فتجرد الإمام من حوله وطوله وتفرض عليه الرأي الذي تريد.
تأزر الضباط الأحرار
  ان الاوضاع السياسية والاقتصادي والاجتماعية القاتمة التي شهدتها اليمن في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وبعد حركتي 1948 و1955م برزت الحاجة الماسة الى التخلص من النظام الفردي الكهنوتي من خلال تأزر الضباط الأحرار مع مجموعة من الجنود وعلماء الدين ومثقفين ومشايخ الذين خططوا في ظروف قاسية وصعبة للثورة السبتمبرية الام في مساء يوم الخميس الموافق السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م باستماتة وإصرار على إنهاء حكم أعظم أسرة مستبدة في التاريخ الحديث إنها أسرة آل حميد الدين التي حكمت اليمن عقب الحرب العالمية الأولى (1918-1914م) وبعد استقلال اليمن عن الحكم التركي بنظام ملكي وحكم إمامي كهنوتي أسدل دياجير الظلام وكوابيس التعسف والانتقام على الشعب وعاش الشعب اليمني عيشة اسوأ من حياة ديدان القبور، إذ ضرب التخلف اطنابة في كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والصحية وحتى الأمور العقائدية تداخلت فيها الخرافات والخزعبلات وليس هناك مايحفظ الحقوق والحريات وقد عبر الشاعر محمد محمود الزبيري بصدق عن حالة الإنسان اليمني أبان الحكم الأمامي البشع بقولة:
الاجتماع جريمة محــظورة                     والعـلـم أثـم والكـلام حـرام
والنـاس بين مكبـل في رجلـه                 قيــد وفي فـمـه البليـغ لجـام

ولذلك ارتفعت صيحات الرفض الوطني في وجه الحكام المستبدين الرجعيين ، وتعالت اصوات الحق المنادية بتحرير الشعب وتخليص الوطن من سلاطين الظلم والاستبداد ودعاة الجهل والتخلف والتي أقضت بدورها الوطني الثائر مضاجع أئمة الحكم الإمامي وزلزلت بصرخاتها التحررية ودعواتها التنويرية الارض تحت اقدامهم المرتجفة من غضب الشعب الذي تحول الى بركان ثائر سرعان ما انفجر معلناً عن ميلاد اول ثورة وطنية شعبية تحررية في اليمن ضد حكم الإمامة الظالم ونظامه القمعي الاستبدادي المتخلف والتي اشعل فتيل شرارتها الثورية وقاد مسيرتها التحررية البطولية بشجاعة كوكبة من ابناء الوطن ورجاله الشجعان وثواره الاحرار ابطال ثورة 1948م والذين نجحوا في اغتيال وقتل الإمام يحيى حميد الدين وكادوا ان ينجحوا من تحقيق اهدافهم الوطنية بانتصار ثورتهم التحررية لولا لجوء الطاغية الإمام احمد بعد مقتل والده الى الخداع والمكر والكذب والدجل والذي استطاع من خلاله ان يخمد نار الثورة الفتية من خلال تفكير قادتها وابطالها واتهامهم بتحريف القرآن الكريم والخروج عن الدين والسنة والتي كانت وحدها كفيلة حينها بوأد حركة تحرر وطنية واجهاض اية ثورة شعبية ضد النظام الإمامي الكهنوتي وحكامه المستبدين ،
ثورة شعب
لقد تمكن ثوار اليمن الابطال واحراره الشجعان من توحيد  نضالهم وكفاحهم ضد الحكم الإمامي المستبد وقوى المستعمر الغاصب يساندهم في ذلك ويقف الى جانبهم كافة ابناء شعبنا اليمني المناضل البطل الذي سطر بدمائه الزكية وصنع بتضحياته البطولية العظيمة ملحمة الانتصار الوطني التاريخي العظيم في حياة وتاريخ شعبنا اليمني الابي.
ولذلك مثلت  ثورة 26سبتمبر الخالدة والمباركة ثورة وطنية وشعبية انسانية واصلاحية شاملة أعادت للوطن اليمني وجهه التاريخي الاصيل وحضارته العريقة ومكانته الطبيعية التي عرف بها عبر التاريخ ببلاد العربية السعيدة والتي حولها النظام الإمامي الكهنوتي البائد خلال عهده المنسي ونظامه الزائل الى بلاد منسية ووطن معزول وارض مهجورة الا من اشباه الاحياء ودولة مجهولة على خارطة العالم.
وهنا تكمن عظمة الثورة الام  وشموخ انتصارها المجيد ونجاحها الكبير في تحقيق اهدافها الثورية ومبادئها الوطنية والتي تتجلى اليوم امامنا في اروع صورها ومنجزاتها ومكاسبها الوطنية والتنموية التي شهدها الوطن وينعم بخيراتها شعبنا اليمني.
مسيرة النهوض
لقد تجسدت عظمة انطلاقة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر بأنها كانت الضربة القاصمة التي كسرت قيد الأمامة وتخلصت من الحكم الأمامي الكهنوتي وخرج الشعب بكل فئاته من شرنقة الظلم والظلمة المدلهمة ومن براثن الجهل والفقر والمرض إلى النور واستنشقوا التيارات الحضارية والسياسية والعالمية بهذا الحدث التاريخي الجبار الذي هز كل أركان الجزيرة العربية ووصل صداه إلى العالم العربي الذي هلل للسقوط المدوي للملكة المتوكلية وأنهى حقبة زمنية من التخلف والجمود والعيش الأليم.
ورغم ان النظام الجمهوري الوليد واجه منذ الايام الاولى لانتصار ثورة 26سبتمبر المباركة العديد من التحديات الوطنية والاجتماعية التي ورثها عن النظام الإمامي الكهنوتي البائد ناهيك  الا ان الثورة الام استطاعت بفضل تضحيات الضباط الاحرار وجماهير شعبنا من مواجهة  الاخطار والمؤامرات بأنماطها العسكرية والسياسية والتخريبية (داخلية وخارجية ) والتي هدفت في مجملها إلى اجهاض الثورة ووأد الجمهورية وقمع إرادة الشعب وتحطيم آماله في الحرية ومصادرة حقوقه الوطنية الانسانية والاجتماعية من خلال التآمر على الثورة المباركة والالتفاف على النظام الجمهوري ومحاولة الانقضاض عليه من قبل بقايا النظام الإمامي الكهنوتي المخلوع وزبائنه العملاء واتباعه المأجورين من الخونة والمرتزقة الذين سعوا في محاولات يائسة وبائسة الى اخماد وهج الثورة الخالدة وإعادة عجلة التاريخ الى الوراء ، الا ان محاولاتهم البائسة وتآمرهم الدنيء اصطدم بقوة بشجاعة وصمود شعبنا اليمني البطل الذي وقف وما زال يقف ببسالة جنباً الى جنب مع جنود الثورة ورجالها الابطال من ابناء القوات المسلحة والامن الاوفياء في خندق واحد للدفاع عن الثورة والجمهورية والوحدة والذي يجسد في مضمونه ابلغ معاني الفداء والتضحية والالتفاف الوطني الشعبي العظيم حول الثورة والجمهورية والوحدة واهدافها ومبادئها الوطنية المجيدة ، فكانت بذلك ملحمة السبعين يوماً التي انتصرت فيها إرادة الشعب وتعمدت فيها الثورة المباركة بدماء الشهداء الابرار وتضحيات المناضلين الابطال لتنتصر بذلك الثورة والجمهورية والتي بانتصارها المظفر انتقلت الثورة والجمهورية من جبهة القتال الثوري المسلح ومعارك الدفاع عن الثورة والجمهورية وتثبيت دعائمها وترسيخ جذورها الى جبهة العمل الوطني ومعارك البناء والاعمار والوحدة التي تحققت عام 1990م لتدافع عنها جماهير الشعب وقواته المسلحة والامن باسقاط محاولة الانفصال سيئة الصيت عام 1994م  .
حراك ثوري  
 لم يدر بخلد الضباط الأحرار والمتآزرين معهم بعد انتصار ارادة الشعب الثورية الفصل بين ضروراتها الشعبية والإنسانية والعصرية فيما كان هناك حراكً مستمرً لإرادة وطنية صادقة وكانت هناك إرهاصات ونضالات متواصلة ضد الواقع المتردي والمتخلف وضد الاستبداد الأمامي الكهنوتي سبقت قيام هذه الثورة وقد جاءت  الثورة الام لتحقيق التغيير المنشود وتنسم رياح الحرية والازدهار ولتعزيز الالتحام الشعبي والجماهيري برجال الثورة ومفجريها لذا فهي ثورة عظيمة بكل المقاييس لأنها نقلت الشعب اليمني والوطن بأكمله من عهود التخلف والقهر والحرمان الى عصر الحرية والتطور والنمو.
و تعاقب على قيام الجمهورية خيرة أبنائها في سدة الحكم ممن نذروا أنفسهم في مواصلة مسيرة النضال وركب الصعاب لنيل الحرية وتسنم التحولات المشرقة والوضاءة في تاريخ الوطن ولتحقيق المبادئ والأهداف الستة من اجل الإنسان اليمني والتطلعات الوطنية الكبيرة من بناء الوطن وتعميق أواصر الوحدة الوطنية وتطوير الممارسات الديمقراطية وصيانة الحقوق والحريات الخاصة والعامة وكفل حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وترسيخ وتطوير البناء المؤسسي لأجهزة الدولة التنفيذية والقضائية والمحلية.
يوم النصر العظيم
وبفضل هذه الثورة  حقق شعبنا آماله وطموحاته والتي توجها بتحقيق أغلى أهدافه الوطنية لثورة 26 سبتمبر و 14 اكتوبر المجيدتين وشكل المحطة الاخيرة في انتصارات ونجاحات الثورة السبتمبرية المباركة التي وضعت إعادة تحقيق الوحدة اليمنية هدفاً وطنياً استراتيجياً هاماً لا خيار ولا بديل عنه ، فكان ال22 من مايو المجيد 1990م هو يوم النصر العظيم في حياة شعبنا اليمني الذي صنع المستحيل وحقق المعجزة مرتين في تاريخه مرة عند انتصار ثورته المباركة سبتمبر واكتوبر ،ومرة عند انتصار إرادته الوطنية باستعادة وحدته المباركة والتي باستعادتها اكتملت فرحة شعبنا وتوجنا بالمجد تاريخنا وطوينا رغم العديد من المحن والنكبات التي تعرض لها عبر تاريخه القديم والحديث المعاصر اسوأ صفحات الحكم الفردي والكهنوتي البغيض .
وتجلت ابداعات ابناء اليمن الواحد بوضوح بتظافر جهود الشرفاء بقيادة فخامة الأخ الرئيس علي عبدا لله صالح الذي اعاد للوطن اعتباره بتحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م وثبت جذورها في الأرض اليمنية على صعيد الدولة والمجتمع وأثرى الحياة اليمنية بالمزيد من الإصلاحات لترسيخ أسس الدولة اليمنية الحديثة فمنجزات عهد الوحدة كبيرة وعملاقة كإستراتيجية الملاحة البحرية وتطوير الموانئ اليمنية وتعزيز قيم الديمقراطية الحرة والشفافية والمصداقية وربط التعليم بالتنمية وتفعيل دور المرأة وتمتعها بالحقوق والواجبات التي كفلها الدستور والقوانين النافذة في البلاد.
 وقد ركزت السياسة اليمنية في العهد الوحدوي الحديث على بناء الإنسان وتنمية قدراته وتاهيلة للمشاركة في تحقيق التنمية الشاملة بمختلف جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وقد أحداث التطور والتنمية فشجع الإبداعات الفكرية للشباب والأنشطة والفعاليات الرياضية وعزز المنشآت الرياضية واهتم بكل مامن شانه الإسهام في خدمة المجتمع والوطن.
شعلة متوهجة
وتؤكد المنجزات الحضارية بشقيها نلديمقراطي  والاقتصادي  في اليمن اليوم أنه لايمكن المقارنة أبداً بين ماكنا عليه في ظل العهد الأمامي البائد والحكم الكهنوتي المستبد وبين مانعيشه ونسعد في ظله بفضل من الله وفضل من ضحوا بأرواحهم الطاهرة ودمائهم الزكية في سبيل خلاص شعبنا اليمني وتحرير بلادنا من أعتى حكم كهنوتي أمامي مستبد عرفته البشرية عامة وعاش في ظله شعبنا اليمني وهذا ليس مبالغة فليس هناك شعب في العالم عانى ماعانه شعبنا من عذاب وحرمان وتخلف على أيدي أئمة الحكم الأمامي الكهنوتي التي حرمت شعبنا من كافة الحقوق الانسانية وابسطها مثل التعليم والصحة وعاثت في الأرض فساداً وقتلاً وتنكيلاً.
ولامجال للمقارنه ايضا بين حكم  كهنوتي فردي ظالم ونظام ديمقراطي تعددي تعيشه اليمن اليوم فضلا  عن دولة تقوم اليوم ببناء المدارس وشق الطرق وانشاء المستشفيات والمراكز الصحية وعهد كهنوتي عمر السجون وأنشأ المعتقلات وبنا حصون الجهل والتخلف التي اعادت وجعلت شعبنا يعيش عصور العهود الوسطي في وقتٍ اصبح فيه العالم يعيش عصر الفضاء والانطلاق نحو التنمية البشرية وهو مالم يرضه شعبنا وكافح من أجل تغييره، حتى تحقق له أمانيه وغاياته الوطنية يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962م وبانتصار ثورة 26سبتمبر المباركة انسانيته وآدميته الحقة والتي ميزه وفضله الخالق عزوجل بها عن بقية مخلوقاته .
     فهاهي الثورة اليمنية تمضي اليوم شعلة متوهجة وشامخة بعد ان سعت بجدارة لتحقيق  اهدافها ومبادئها الوطنية التي اعادت من خلالها الثورة المباركة لابناء شعبنا اليمني كرامتهم الانسانية وحريتهم الاجتماعية وحقوقهم الوطنية الشخصية والعامة المبنية على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات ..وستظل ارادة الشعب اليمني تضرب بالحديد كل من تسول له نفسه التمرد على الثورة اليمنية او يسعى لاضعاف وحدتنا الوطنية بفضل التلاحم الشعبي بين ابناء الوطن وابطاله في القوات المسلحه والامن الحارس الامين لمكتسبات الثورة والوحدة اليمنية .
=====================

* من كتابات المرحوم الصحفي مهيوب الكمالي عميد الصحافة الاقتصادية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock