تحقيقات اقتصادية

أمين عام المتحف الوطني بصنعاء عبد العزيز الجنداري:أسود وملوك يستقبلون الزوار.. وتوثيق الآثار حماها

 

 

لكل أمة ذاكرة، ولكل ذاكرة سجل يطوي المسافات ويقرب بين الأزمنة المختلفة، في حين نستطيع أن نميز بين مكونات الحضارات وما تشتمله من رموز وتقاليد وعادات في كل مركب يشكل نموذجاً لمزيج من العادات والتقاليد والمعارف. ووجود قاعدة معلومات، يبين كل ما يمت بصلة إلى تاريخ وعادات الشعوب وذاكرتها، في المتاحف الوطنية التي تختزل العصور وتنبت في طياتها المعالم التاريخية والأثرية وتنام في أحضان تراثها الكثير من الأشياء المجهولة من صفحات التاريخ القديم والمتوسط والحديث. وفي المتحف الوطني بصنعاء يجد الزائر ما تشتهي نفسه للاطلاع على عبق الحضارة وعراقة تاريخ اليمن السعيد في مخزون ضخم ينطق بعظمة ما خلفه الإنسان اليمني من حضارة دونت في كل قاعة ومخطوطة وموروث شعبي.

المتحف الوطني صنعاء اليمن
هذا ما سوف نكشف عنه في مقابلة مع عبدالعزيز حمود الجنداري أمين عام المتحف الوطني بصنعاء، لينقلنا عبر معلومات دقيقة وموثقة من زمن إلى آخر ومن عرض زمني إلى عرض نوعي وتكوين القاعات في المتحف وفقاً لمدارس العرض المختلفة.
حول تأسس المتحف الوطني بصنعاء وكيف تتم العروض فيه، أوضح عبد العزيز حمود الجنداري أمين عام المتحف الوطني بصنعاء، أن بداية تأسيس المتحف تعود إلى عام 1971، وكان مقره دار الشكر، ويتكون من قسمين، الأول للآثار القديمة، والثاني للموروث الشعبي، تلا ذلك قسم للآثار الإسلامية، وبعد التوسع في أنشطة المتحف تم اختيار مبنى دار السعادة بعد أن تم ترميمه وإعادة تأهيله وجرى افتتاحه في أكتوبر 1987.

بعض مباني المتحف الوطني يعود إلى عهد الإمام المتوكل علي القاسم بن الحسين الذي حكم خلال الفترة 1716-1727 ولا يزال قابعاً في ضريح بجوار المسجد، الملحق بمباني المتحف، وسميت المنطقة والمسجد باسم الإمام المتوكل، وجاء العثمانيون واتخذوا من نفس المكان موقعاً لهم وأسسوا فيه المستشفى العسكري، ثم بنى فيه الإمام يحيى عام 1922 «دار السعادة»، وبعد ثورة سبتمبر عام 1962 استخدمت تلك المباني كمقرات لعدد من الوزارات والهيئات الحكومية، حتى تأسس المتحف الوطني عام 1970، حيث كان في بداية الأمر في قصر «الشكر» ليصبح عام 1991 متحفاً للموروث الشعبي بعد أن اختير «دار السعادة أو المستشفى التركي» ليكون متحفاً وطنياً.
أما العروض في المتحف فهي تجري بحسب التقسيم التالي: العرض الزمني، وذلك لفترة حضارات ما قبل الإسلام، ثم العرض النوعي للفترة الإسلامية في قاعات متخصصة منها المخطوطات والمسكوكات والمعادن، وثالثاً العرض الموضوعي في قسم التراث الشعبي، حيث يجري العرض وفقاً لموضوعات الزراعة، صناعة السلال، المواد الحجرية، التجارة، الأزياء، صناعات اللحاف التهامي، وغير ذلك.

أحد الملوك اليمنيين

بعثة أثرية ألمانية
ويضيف أن الزائر يرى الملوك في استقباله بالصالة الأرضية وفي مقدمتهم: تمثال الملك اليمنى الشهير «هوثر عثت» وهو من أسرة شللم أحد الملوك السبئيين الذي عاد مؤخراً إلى موطنه الأصلي، بعد رحلة ترميم استمرت أربعة أشهر ونصف في متحف اللوفر بباريس، ليحتل مكانه في باحة المتحف الوطني بصنعاء إلى جوار التمثال الأشهر للملك ذمار على يهبر ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات وابنة ثاران يهنعم، وهما التمثالان اللذان عثر عليهما عام 1931 في منطقة النخلة الحمراء إثر تنقيب أول بعثة أثرية ألمانية عن الآثار في اليمن، حيث بدأت البعثة أعمال التنقيب عام 1928، في مناطق «غيمان»، النخلة الحمراء والحقة وغيرها من المواقع السبئية. وقد شارك التمثالان في معهد ماينز بألمانيا ورمما هناك، وأعيدا إلى اليمن في مارس من عام 1983 بعد أن أعيدت صياغتهما بطريقة الجبس وقوالب السيليكون.
وفي قاعة مملكة حمير تظهر مجموعة أوان زجاجية وأجزاء كبيرة من الحجر الجيري التي استخدمت في الغالب في بناء المنازل أو المعابد مزخرفة بأشكال حيوانات وأوراق وعناقيد العنب، وهناك مجموعة تماثيل آدمية من الحجر الجيري، لوحة فخارية عليها شكلان ملتصقان ربما كانا عبارة عن كاهنتين حاملتين في أيديهما قرباناً عثر عليه في منطقة ماوية بمحافظة تعز، وأجزاء من تماثيل حيوانية من البرونز بينها ذيل أسد، وقدم فرس، وقدم طير، إضافة إلى تمثال لوعة واقف على قاعدة مستطيلة، ومسند كرسي أو عرش ينتهي آخره برأس أسد في الوسط.

أسود محنطة في المتحف الوطني صنعاء

أسود محنطة

أما قسم العصر الإسلامي، ففيه 7 قاعات للمخطوطات والأدوات النحاسية والجوامع والمسكوكات والإنارة والعتاد البحري وكسوة الكعبة.. كما يحتوي الجناح الإسلامي على بعض الألواح الخشبية التي جمعت من بعض المساجد وعليها زخارف وكتابات إسلامية وصور لعدد من المساجد التاريخية، والأسلحة والتي اشتملت على السيوف المختلفة والخناجر والرماح والخوذ الواقية للرأس والبنادق القديمة وعلبة الذخيرة التي كانت تستخدم لتعبئة البارود.

قسم الموروث الشعبي.. وفيه خمس قاعات خاصة بالزراعة وفن العمارة والأزياء واللون الأزرق، وفي هذا القسم بعض نماذج الأزياء الشعبية، والصناعات الحرفية وعرض بعض الأدوات التي كانت تستخدم في الزراعة وتربية النحل، وأدوات صيد السمك وغيرها، بالإضافة إلى نماذج من الأزياء النسائية والرجالية، والمشغولات الفضية، ومجسمات تصور تقاليد الزواج، وأخرى عن الحياكة «اللحف» في تهامة، بالإضافة إلى ذلك هناك صناعة النجارة والفخاريات والسلال المصنوعة من أغصان النخيل والأواني الحجرية والأدوات النحاسية وغيرها.

وفي الصالة الطويلة تم وضع مجسمات لثلاثة أسود مهداة للمتحف من الرئيس علي عبد الله صالح، حصل على أحدها من الرئيس الكيني، واثنين من الجالية اليمنية في أثيوبيا وهي أسود محنطة.
ثروة هائلة
ويشير عبد العزيز الجنداري إلى أن المتحف الوطني بصنعاء يمتلك ثروة هائلة من المقتنيات الأثرية والتي تعود لمختلف العصور ابتداء من عصور ما قبل التاريخ وعصر الحضارات اليمنية القديمة والعصر الإسلامي، بالإضافة الى مجموعة متنوعة من التراث الشعبي والذي تشتهر به معظم المناطق اليمنية.
وكان التسجيل والتوثيق في البداية لهذه الثروة يتم بطريقة بدائبة لمجموعة القطع الأثرية القديمة والتي تعود إلى ما قبل الإسلام من قبل خبراء أجانب باللغة الانجليزية، ولم تنسخ معظم النقوش التي كتبت بخط المسند على اللوحات والقطع الحجرية، ولم يتجاوز رقم التسجيل والتوثيق 2500 قطعة أثرية، ثم بدأت عملية التوثيق بسجلات بأرقام جديدة تبدأ بالرقم 1 مما أحدث ازدواجية في التوثيق، فكان لابد من إعادة النظر في العملية.
إعادة توثيق
وقد تمت إعادة التوثيق من الصفر باللغة العربية، وجرى فتح توثيق عام لكافة القطع الأثرية مع التحديد الدقيق للفترات الزمنية التي تنتمي إليها كل قطعة، لكن مع التطور في علم المتاحف وثورة استخدام التكنولوجيا الحديثة يتم تسجيل وتوثيق المقتنيات الأثرية حالياً بالحاسب الآلي وإعطاء كل قطعة حقها من الوصف وتبيان حالتها الراهنة مع استخراج العناصر الزخرفية والجالية التي تحتويها كل قطعة.

ويضيف: يوجد لدينا أربعة مصادر لجمع التحف، الأول هو ما يتم جمعه من المواطنين عبر لجنتي الهيئة العامة للمتاحف وصندوق التراث والتنميـة مقابل مكافآت خاصة، والثاني ما يقدمه المواطن كبادرة على شكل هدية للمتحف ويتم تخليد اسمه مع القطعة التي أهداها للمتحف، والثالث القطع المصادرة من قبل أجهـــــزة الأمن المعنية بمكافحــة تهـــريب الآثار، أما المصدر الرابع فهو البعثات الأثرية في اليمن التي تقوم بعمليات استكشافية.

أما عن العلاقة بين المتحف الوطني والمتاحف الخليجية فيقول: لدينا علاقات مع متاحف مجلس التعاون الخليجي، لكنها لاتزال محدودة، ولنا علاقات مع المسؤولين عن المتاحف الخليجية وخصوصاً في الشارقة، ونحن نطمح إلى تطوير هذه العلاقات، ولدينا علاقة عملية مع متحف اللوفر في باريس، وقد أبرمنا معهم اتفاقية لتدريب الكوادر اليمنية وترميم القطع الأثرية.

قطع مسروقة

وحول القطع الأثرية المسروقة يقول الجنداري: هناك قطع كثيرة في الغرب هربت من مصر والعراق واليمن، وقد حدثت عملية التهريب في أيام غابت فيها عملية التسجيل والتوثيق. أما الآن فلدينا الحماية للقطع الأثرية عبر التوثيق، وهي أهم خطوة لمنع سرقة الآثار. ونحن نطمح إلى تنظيم معارض كبيرة ومتخصصة عن التراث الشعبي، أو قد تكون معارض للصور والمجسمات وهي وسيلة لاستقطاب الزوار، مع الاستمرار في توثيق القطع الأثرية بالطرق الحديثة المتطورة، ونحن بصدد إعداد عشرة مواضيع جديدة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، منها توثيق آثار العصور التاريخية، وجناح الوحدة اليمنية عبر التاريخ، وقسم الهدايا والتراث الشعبي، وسيتم إنشاء قسم خاص بالطفل وقسم للمبيعات.
* رئيس التحرير

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock