تقارير اقتصادية

كارثة المياه في اليمن .. توقع استنزاف معظم المخزون بحلول 2025

حذرت الدراسات التي وقف امامها المؤتمر الوطني لإدارة وتنمية الموارد المائية في اليمن خلال فترة انعقاده يوم امس واليوم الاحد من خطورة الوضع القائم للمياه في اليمن خصوصاً في ظل عدم حدوث تغيير هام في نمط استخدامات المياه وافتقار اليمن الشديد للمياه بصورتها “الخضراء”و”الزرقاء”.

الاستنزاف الجائر
و كشفت الاوراق والدراسات التي قدمتها عدد من الجهات الدولية والمحليةذات العلاقة بقطاع المياه، عن حجم المخاطر المحدقة بوضع المياه في اليمن في ظل استمرار الوضع كما هو عليه من الاستنزاف الجائر..متوقعة استنزاف معظم مخزون المياه الجوفية بحلول العام 2025م.
فقد تناولت ورقة البنك الدولي “تبعات الوضع الراهن في حال عدم العمل ” التي قدمها المحاضر في جامعة أكستر الدكتور كرستوفر وارد ، استشراف ما قد يحدث للموارد المائية والاقتصاد والمجتمع في اليمن بحلول عام 2025م وحتى 2050م،وقد بُني هذا الاستشراف على فرضية عدم حدوث تغيير هام في نمط استخدامات المياه.

التغذية السنوية
وأشارت الورقة إلى أنه من المتوقع استنزاف معظم مخزون المياه الجوفية بحلول العام 2025م، ..لافتتا إلى أنه لن يتوفر بعدها سوى التغذية السنوية وقت ليس هناك تحسن منتظر في عملية التغير المناخي سوى ارتفاع معدل الاحتباس الحراري إضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بالفيضانات المدمرة ومخاطرها الكبيرة.
فيما تناولت الورقة أثر ذلك على الزراعة والدخل من خلال انخفاض معدل الإنتاج الزراعي والدخل إلى مستويات قد تصل إلى 40% .
وأوضحت الورقة إلى أن أثر ذلك على اقتصاد المناطق الريفية سيتجلى في انكماش الاقتصاد وتزايد مستويات الفقر في الريف إضافة إلى زيادة في معدل عدم المساواة والصراعات ومعدل الهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية..مضيفة أن الأثر على المناطق الحضارية سيتمثل بتفاقم نقص إمدادات المياه وارتفاع كبير في أسعارها، خاصة بالنسبة للفقراء.

تكاليف المشاريع
وعلى مستوى الاقتصاد الشامل، أكدت الدراسة أن شحة المياه ستؤثر على كافة الناس من خلال ارتفاع تكاليف مشاريع البنية التحتية للمياه وانخفاض إجمالي معدل الإنتاج المحلي من الزراعة، وبالتالي التأثير على أسعار المواد الغذائية والأمن الغذائي والذي بدوره سيترجم إلى تدهور سعرالعملة.
واوضحت الورقة إن هذه النتائج ليست حتمية طالما أن هناك خيارات يمكن من خلالها إنقاذ الموقف إذا ما قررت اليمن أن تخطو نحو إحداث تغييرات أساسية في عملية إدارتها للمياه.. لافتة إلى أن هذه التغييرات تتطلب الالتزام والإصرار السياسي ومشاركة الأمة قاطبةً، تدعمها مشاريع استثمار كبيرة .

“الخضراء”و”الزرقاء”
من جانبه أكد البروفسور في جامعة الملك بلندن وكلية الدراسات الشرقية جي.أية توني اللان في دراسته الموسومة ” معضلة إدارة المياه في اليمن” على التحديات السياسية أمام سن قوانين لقطاع المياه وتنفيذها بفعالية في اليمن..لافتا إلى أن اليمن تفتقر كثيراً إلى المياه بصورتها “الخضراء”و”الزرقاء” لتلبية احتياجات النمو السكاني المتزايد .
وأشار اللان إلى أن معضلة إمداد المياه القائمة في اليمن تأتي نتيجة لثلاثة عوامل رئيسة، تتمثل بارتفاع معدل الطلب على المياه بشكل كبير جداً، وثانيا تخصيص المياه الجوفية لأغراض الري خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ، وثالثا وهو الأهم حد قوله افتقار الاقتصاد للإمكانات التي تمكنه من التأقلم مع نتيجة العامل الثاني، سواء من خلال تحمل تكاليف تحلية المياه أو إعادة تخصيص المياه من استخدامات الري إلى الاستخدامات الأكثر قيمة.
وأكد أن تحدي إعادة تخصيص المياه هو الأكثر صعوبة في المنطقة… موضحا أن بلدان المنطقة الأخرى لديها اقتصاديات ريعية تساعد على تحمل تكاليف استيراد كميات المياه الكبيرة المتضمنة في واردات المواد الغذائية (المياه الافتراضية)،كما أنها أيضاً تستطيع تحمل تكاليف إنشاء وتشغيل البنية التحتية لخدمات المياه للاستخدامات المنزلية والصناعية.

مياه السيول
فيما تتبعت دراسة الباحث ساشا ماثياس كستر والموسومة ب”إدارة المياه من أجل التوزيع العادل والفعالية الاقتصادية والاستقرار البيئي “.. نوعية الآليات الأساسية لمشاكل عملية توزيع المياه وأنظمة الري بواسطة مياه السيول في سهول تهامة باليمن .
وأثارت الدراسة سؤالاً عن نوعية السياسات التي تحاول من خلالها اليمن سن ضوابط الإدارة المحلية للمياه التي تضمن المساواة الاجتماعية بين مستهلكي المياه وعن الأدوات التي قد تحقق الحفاظ الشامل لموارد المياه في اليمن على أفضل وجه ممكن.

ادارة حاكمية
وقدمت الدراسة مقترحات عن إمكانية إعادة تصميم عملية إدارة (حاكمية)المياه من أجل ضمان مساواة اجتماعية عادلة واستخدام للمياه بصورة مستدامة بيئياً من خلال المقارنة الدقيقة مع مناطق مشابهة في إريتريا وباكستان.
وأوضحت أنه فيما يتعلق بالمساواة الاجتماعية لعملية توزيع المياه في كل من وادي زبيد ووادي تُبن، فقد تعرضت عملية التوزيع العادل واستخدام المياه إلى خطر النمو الزراعي من خلال بناء السدود وحفر الآبار، وذلك لأنه لا يتم توزيع عادل لفوائد هذا النمو.
وأكدت أن مشكلة عدم التوزيع العادل للمياه على المستوى المحلي سيصاحبها استنزاف شامل لموارد المياه في المستقبل القريب ..لافتة إلى أن الفكرة الأساسية القائمة على قاعدة “الأعلى فالأعلى” (أي الأولوية للحقول الواقعة أعلى الوادي) هي بوضوح فكرة منطقية من حيث تمكين زراعة الخضروات(الأكثر استهلاكاً للمياه) في أماكن تضمن ازدهارها وحصادها،وأنه ينبغي استمرار هذه القاعدة لتشكيل مبدأ قواعد التوزيع، وذلك لأنه قبل وصول الآبار الأنبوبية وتقنية بناء السدود لم يؤثر استخدام المياه السطحية على منسوب الأحواض الجوفية وكانت الموارد المائية المتجددة متوازنة تماماً.

نماذج عمل
ولتحقيق ذلك اقترحت الدراسة ستة نماذج عمل يمكن استخدامها للحد من خطورة نضوب منسوب المياه وتحفيز استخدامها المستدام حيث تمثلت تلك المقترحات بـ أولاً: يجب سن قوانين تناسب الحالة المعينة وتحدد كمية المياه المستخرجة ورسوم (ضرائب) المياه، بحيث تكون مبنية على واقع المناطق/المحافظات المختلفة كدافع وأساس لتنفيذها.
ثانياً: يجب رفع نسبة القدرة على التنبؤ بحجم وكمية المورد المائي بقدرالمستطاع، وذلك من أجل رفع مستوى الوعي تجاه واقع المخزون المائي في باطنالأرض.
ثالثاً: يجب استمرار وجود “النقد البنّاء” من أجل التطوير المحلي لرفع كفاءة إستخدام المياه، على أن لا تفوق التكاليف عملية التحسين الممكن.
رابعاً: إلغاء نظام المركزية في الدوائر الحكومية مثل الهيئة العامة للموارد المائية، حيث أن المعرفة والتأثير، والاهم من ذلك الشرعية تكمن في أيدي الشركاء وأصحاب الشأن المحليين.
خامساً:على الدولة أن تصمم وسائل الضرائب والتعريفة والتسعيرة التي قد تعيد توجيه النشاط الزراعي تجاه التركيز (التقليدي) على المحاصيل الزراعية ذات الاستهلاك المائي الأقل .
سادساً، يجب توجيه مساعدات المانحين وتحويلات التسوية (من الحضر إلى الريف) لتخفيف ضرر المرحلة الانتقالية والحد من طول فترتها التي غالباً ما تعقب تغيير النظام الزراعي على وجه الخصوص والنظام الاقتصادي على وجه العموم.

العادات والاعراف
الدراسة الأخيرة تناولت اليات بلورة وتمكين عملية ترشيد المياه على المستوى المحلي في اليمن للباحثين طه طاهر، بريان برون، فرانك فان استينبيرغن،عمر باماقه، وعادل الوشلي … حيث أشارت الدراسة إلى أن اليمن تمتلك اليمن إرثاً غني من العادات والأعراف التي تضبط التعامل مع الأراضي والموارد المائية ساعدت على عملية تطوير وتنمية الموارد المائية السطحية والجوفية.
وبينت الدراسة أن هذه الضوابط تشكل واقعاً مؤسسياً ومصدراً قيّماً لمبادئ وإمكانات التعاطي مع إشكالات النمو السكاني المعاصرة ونضوب مخزون المياه الجوفية وغيرها من التوجهات..لافتة إلى أن الكثير من المجتمعات المحلية بدأت في التجاوب مع قضية نضوب أحواض المياه الجوفية من خلال اتخاذ بعض الخطوات لمعالجتها، منها تطبيق ضوابط المساحة بين الآبار.
وأشارت الدراسة إلى أن هناك إمكانية كبيرة لدعم المجتمعات المحلية في المناطق الريفية لتحسين عملية إدارة المياه، حيث من الممكن أن تسهم سلسلة من الفعاليات في تقييم الظروف المحلية ومراجعة القيم وتصور مستقبلاً ممكناً وملائماً ودراسة الخيارات والتوصل إلى اتفاقات ومن ثم الشروع في تنفيذ الخطوات العملية لتحسين ترشيد موارد المياه.
واكدت أنه من الممكن أن تقود الجهات الوطنية والمحافظات ولجان أحواض المياه دعم هذه العملية من خلال تسهيل عملية التقييم وتوفير المعلومات والتنفيذ الفعال لتلك الجهود بما يتناسب مع الأولويات المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock