
لا يدري الإنسان، أحياناً، من أين يبدأ، خاصَّةً حين يُفاجأ بفقد عزيزٍ لديه، كأن يكون قريباً شديد القُرب، فما بالكَ بزميلٍ قضيتَ معه من الوقت أكثر ممَّا قضيتَ مع أهلك، يكون المدخل المُناسب، بل أجمل مدخلٍ ما يقوله المُؤمن الصابر : «لا حول ولا قُوَّة إلاَّ باللَّه، كُلُّ نفسٍ ذائقة الموت، وأنتَ من السابقين ونحنُ من اللاَّحقين».
نقولُ دائماً إنَّ بعض الْبَشَر يمرّ في الحياة ولا يترك أثراً، لذا تقول كان فُلاناً، وفي الشأن لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لكنَّ بعض الصامتين يتركون أثراً في حياتنا وراءهم، وأيّ أثر، يكون لصمتهم معانٍ ودلالاتٌ أكبر وأكثر ممَّا يتركه الصارخون وَمَنْ تظلّ أصواتهم عاليةً طوال حياتهم، لكنَّها أصوات «الأتناك الفارغة»، أو أتناك «الفضول» التي قالها لأحدهم وبلهجة ذبحانية مُحبَّبة تسمعها - فقط - من أفواه بيت نُعمان، بيت الدماثة وسُموّ الشأن : «لمو معا تأتيش عندنا الأيَّام تُضَرْجِح»، وكان يلوم أحدهم لتقصيرٍ في واجبٍ كلَّفه به، كان صاحبنا يذهب إلى الفضول ليُدندن بالعُود، كثيرون هُم «المُضَرْجحِين».
مهيوب الكمالي - رحمه اللَّه - زميلنا كان أحد هؤلاء الصامتين، التاركين وراءهم الأثر الطيِّب، من يوم أن أتى لينضمّ إلينا وإلى أن عادت الرُّوح الطيِّبة الجميلة إلى بارئها لم يحدث مُطلقاً أن قال أحدنا نحنُ الزُّملاء جميعاً في الصحيفة إنَّ المهيوب قد أساء أو تلفَّظ بلفظٍ جارحٍ أو أنَّه ظَهَرَ بوجهٍ غير الوجه الذي أتى به.
كان ذلك الشابّ أسوأ ما فيه العمل بدُون كللٍ ولا ملل، العمل بصمت، العمل بدُون مَنّ، يظلّ يعمل ويعمل ويعمل، ولحظة أن ينهي عمله يركب رجليه ويعود إلى منزله ليُواصل العمل ليضمن لُقمةً شريفةً ويُحافظ على كرامةٍ لا يُفرِّط فيها هذا النوع من الْبَشَر.
مسكين هذا «الصحفي»، يظلّ يجلد ذاته ليل نهار، وفي النهاية يكتشف أنَّ كُلَّ الجُهد ذهب هباءً منثوراً، إمَّا أن يعود إلى البيت ينتظر الموت أو أنه يموت فعلاً من لحظة أن يترك الورق، ويظلّ هيكلاً يسير بدفع الريح ليس إلاَّ.
مهيوب الكمالي الذي تنهمر دُموعي والزُّملاء سُيولاً على خُدودنا لفقداننا له، أحد هؤلاء الْبَشَر الذين نحتوا الصخر بحثاً عن حياةٍ كريمة، تعب، وشقى، درس، وعمل، ربَّى أولاده بشرف، وترك لزُملائه الذين أدارهم بكرامة، إرثاً من الإيثار والترفُّع، وترك لنا جميعاً الذكرى الطيِّبة.
كان مهنياً من الدرجة الأُولى، وأتذكَّرُ أنَّني حين ذهبتُ إلى الرياض في العام 2007م لتغطية أعمال القمَّة العربية، ظللتُ طوال الأيَّام أبعث بالأخبار إلى إدارة الأخبار، وحين عُدتُ فاجأني بما أفرحني، لقد أتى إلى مكتبي وبهُدوئه الذي اعتدناه قالها لي : أخباركَ صياغتها مهنيةٌ عاليةٌ - أُقسمُ باللَّه أنَّ هذا ما حدث - أحسستُ لحظتها بعرفانٍ لا حُدود له، فأن يشهد لكَ زميلٌ هُو في معمعة الأخبار كُلّ لحظة، فهي الشهادة التي لا ثمن لها، تضعها في صدارة سيرتكَ الذاتية.
أقصى درجات الاحتجاج لدى زميلنا الراحل، حين يشعر أنَّ «بِرْكَة الماء» ستفيض، يأتي وينطلق من لحظة دُخوله مكتبي بدُون توقُّف، وحين عرفته جيِّداً كُنتُ
أصمت ولا أُقاطعه، حتَّى أرى الابتسامة الطيِّبة ترتسم على ملامح وجهه، أقولُ في نفسي : خلاص، الكمالي كَمَّل، يقول لي : لا تزعل مِنِّي، وبلهجةٍ شرعبيةٍ
مُحبَّبة : «ما بُوش معي أحد غيرك يسمعني - وأشهد اللَّه على ذلك - فلا تزعل مِنِّي»، أقولُ أنا : ولا يهمّك، ويغيب عنِّي فترةً أعرفُ معرفة اليقين أنَّه مُندمجٌ بين
الأخبار ووسط هُمومه، فلا أُقاطعه ولا أسأل عنه.
أقصى درجات الاحتجاج عبَّر عنها يوم أن تمَّ تحويل الزميل حسن شرف الدِّين، ولأنَّ «بِرْكَة الماء» كادت تفيض، فقد كُنتُ أشرتُ على مُذكِّرة حسن
بالانضمام إلى الأخبار، فلم يُوافق، ولم أقُم بأيّ ردَّة فعل، فقط قُلتُ في نفسي : «بِرْكَة الكمالي فاضت»، وانتظرتُ حتَّى أتى، صاح ورفع صوته لأوَّل مرَّة، استوعبته، انهزم كإنسانٍ نظيف النفس، كان يحتجّ على أشياءٍ كثيرة، تعمَّدتُ ألاَّ أردّ عليه، حتَّى هدأ وابتسم كالعادة وقال لـ «حسن» : اذهب.
أقولها في النهاية : إنَّ الكمالي، وكتكريمٍ له، لا بُدَّ أن يظلَّ في نُفوسنا وعلى أسنَّة أقلامنا وفي ذاكرتنا زميلاً عزيزاً كريماً دمثاً صاحب شُعورٍ عالٍ بالكرامة، لا تُعادلها إلاَّ طيبته، وأسوأ سيِّئاته العمل بصمتٍ وبدُون أن أسمعه يوماً يُفضِّل نفسه على زميل، على الإطلاق ... رحم اللَّه مهيوب الذي هُو كُلّ النُّبل.
نقلا عن صحيفة الثورة اليمنية الأحد - 31 - يناير - 2010 -
{joscommentenable}
Twitter
Digg
Del.icio.us
Reddit
Yahoo
Googlize this
Facebook


