
هناك اعتقاد لدى معظم الناس هو أن الموت لا يحصد إلا أرواح الطيبين والمحبوبين لدى معظم البسطاء من المجتمع وكأن الأشرار بمنأى عن الموت مع أن الموت لا يفرق بين هذا وذاك مصداقا لقوله تعالى: (وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) صدق الله العظيم .. وخلال السنوات القليلة الماضية فقدت بلادنا كوكبة زاهية من نجوم الفكر والإبداع الفني والإعلامي بعد أن حصدهم الموت فجأة ودونما سابق إنذار أو استئذان أو وداع بعدما أصبحت
الغيبوبة ضاربة أطنابها في جنبات الروح اليمنية في لحظتها الراهنة لدرجة أنك تودع صديقاً في مناسبة أو موقف معين وتخشى أن تلتقيه في أخرى وما أكثر موت الفجأة هذه الأيام والذي تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ريب أن رحيل الزميل العزيز مهيوب الكمالي مدير عام الأخبار بمؤسسة (الثورة) للصحافة والنشر بهذه السرعة والذي كان بمثابة فاجعة مؤلمة وغير متوقعة لمعظم العاملين والزملاء الذين فوجئوا بموته المباغت الذي كان بمثابة فاجعة مؤلمة لمعظم الزملاء المكلومين وأنا واحد منهم وصاعقة مخيفة كان لها أثرها العميق في النفوس وحين سمعت بخبر الوفاة ارتعدت فرائصي وقلت في نفسي تأهب للموت الذي قد يأتي بغتة ودونما سابق إذن أو إنذار لدرجة أنني وجدت نفسي أردد جملة معروفة يرددها الفقهاء في مدينة إب مع كل جنازة والتي تقول في مطلعها: تأهب للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد نعم رحل الزميل مهيوب الكمالي ورحلت معه ابتسامته الهادئة المعتادة التي يقابل بها كل من يأتيه بخبر دورة أو مشاركة أو مناسبة معينة وعلامة الحياء والخجل واضحة على محياه وبكل احترام يأخذ الخبر ويراجعه بهدوء وطيبة وروح رياضية عالية وأحيانا يقوم بإعادة صياغة الخبر بأسلوبه الراقي وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على أن الراحل ينحدر من أسرة كريمة وأصيلة لدرجة أنه كان يتكلم عن همومه بصدق وصراحة وكأنك صديق حميم له من زمان وهذه صفة من صفات البسطاء الطيبين الصادقين. وطوال فترة عمله ظل صامتا صامدا مهاباً نقي السريرة طاهر القلب لا يفارق مكتبه طوال الدوام ملتزماً منضبطاً كنموذج حي للمسؤولية لدرجة أنه كان يخرج من مكتبه بعد نهاية الدوام بساعة أو ساعتين بعد أن يتابع كل صغيرة وكبيرة من الأخبار محليا وعالميا. نعم لقد كان شخصا مثاليا في عمله رحل وهو في قمة عطائه الوفير والمتجدد حيث كان نهرا رافدا بكل ما تعنيه الكلمة ولا غرابة في ذلك حيث سبق له وأن عمل في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) قبل أن يتم تعيينه مديرا للأخبار في (الثورة) وتدرج في عمله في العديد من المناصب منذ تخرجه عام 1989م والمعلوم أن عملية التدرج في الوظائف تكسب الشخص مهارات عديدة وتزيد من خبرته العملية والعلمية بدليل أن هناك الكثير من العاملين في مهنة البحث عن المتاعب (الصحافة) اكتسبوا مهاراتهم الصحفية من خلال الممارسة وطول التجربة في عملهم ووصلوا إلى قمة الإبداع وتبوأوا مناصب رفيعة وزارية وقيادية على الرغم أنهم لم يدرسوا الصحافة مثلهم مثل الاحصائيين الخريجين من كليات الإعلام والصحافة والمهم أن الزميل الراحل عكس خلال فترة عمله الصورة الصادقة والواضحة للإعلامي الجاد والإنسان الواعي بما يدور حول الوطن وفي العالم والكاتب المتمكن الذي يعرف تماما ما هي المواضيع التي تحظى باهتمام القارئ في ظل ثورة المعلومات وتوفرها بعد أن صار العالم قرية واحدة. والمعلوم أن الإعلامي مثل الشمعة التي تحترق لتضيء بنورها الآخرين مثله مثل الفنان فعلى الرغم من معاناته مع مرض السكر الذي عادة ما يهاجم العاملين في الصحافة نتيجة لكثرة الهموم والمسؤولية والذين نجد أنهم أقصر عمرا من غيرهم للسبب نفسه إلا أن الراحل مهيوب ظل ذلك الصنديد والصلب الذي لا ينثني أمام هجمة المرض الشرسة وطعناته الغادرة التي أصابته بعد أن استقر حاله في الفترة الأخيرة من حياته حتى أوقف علاج السكر معتقدا أنه قد أمن مكره وربما أنها المنية التي جعلته يوقف العلاج من ذات نفسه. وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع بدليل أنه ظل على صلة بالعاملين في الأخبار يتفقد سير العمل من سرير مرضه وفي آخر يوم قبل وفاته بلغ المسؤول الإداري أنه سوف يداوم من اليوم التالي السبت 2010/1/3م ولأن الأمل طول والأجل عرض فقد شاءت الأقدار أن يكون يوم 30 يناير المنصرم هو آخر يوم في حياته مصداقا لقوله تعالى: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) صدق الله العظيم. نعم رحل الصحفي المبدع والنجم المتألق في سماء صاحبة الجلالة والنبع المتدفق بالعطاء المتجدد والقلب الأخضر النابض بالحياة والحيوية والنشاط والعقل النير والإنسان الخير البسيط والمتواضع والمحبوب لدى الجميع صاحب البسمة والأخلاق العالية والنفس السريرة ومهما تحدثنا عن الراحل فإننا لن نفيه حقه ولن نجد أفضل من كلمة وداعا ابن الكمالي وفي جنة الخلد بإذن الله داعين المولى أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
نقلا عن صحيفة الثورة الإثنين - 8 - فبراير - 2010
Twitter
Digg
Del.icio.us
Reddit
Yahoo
Googlize this
Facebook


