عقارات وانشاءات

مشروع طريق باتيس-رصد-معربان ..شريان حياة يكتمل العام المقبل

لعل من محاسن الصدف والفأل الحسن أن يصادف رحلتنا اليوم 12 أكتوبر الجاري، على مسار خط مشروع طريق “باتيس – رصد- معربان”، مرور سنة على توقيع اتفاقية تنفيذ المشروع في 12 من أكتوبر الماضي.
هكذا فاجأنا كبير مهندسي الشركة الاستشارية (أرابتك جردانه) خلال رحلتنا المكوكية، التي انطلقت مع بزوغ نور الصبح من
 عدن مرورا بجعار، وكانت بداية الطريق نحو منطقة باتيس، وهي المنطقة التي أقترن اسمها بالعديد من المشاريع العملاقة كـ”سد باتيس” الذي شُيّد عام 1984 كأكبر سد تحويلي في المحافظات الجنوبية لليمن، بمنحة من الاتحاد السوفييتي السابق، وحيث تجري حاليا اللمسات الأخيرة لإنجاز مصنعين للاسمنت: الأول تابع للشركة اليمنية السعودية (أسمنت باتيس)، والثاني، مصنع الوحدة للاسمنت (العيسائي) والذي يبعد مسافة أقل من كيلومترين، من خط البداية لمشروع طريق “باتيس- رصد”. 
كان علينا أن نطوي 16 كيلومترا فقط، من الطريق الإسفلتي في لمح البصر. أما عند نهاية خط الإسفلت فللحديث معنى آخر: أصوات “تركتورات”، حفارات صخور، إضافة إلى معدات أخرى تصم الآذان، تتوزع عند تقاطع الطريق على امتداد 42 كيلومترا من إجمالي الطريق البالغة 96 كيلومترا، ما يجعل الحديث مستحيلا واللجوء للصمت اضطراريا. 
ووفقا لمدير عام مشروع طريق”باتيس- رصد”، المهندس عبد الجبار عباس، فإن المشروع تنفذه المؤسسة العامة للطرق والجسور بـ43 مليون دولار، بتمويل من دولة قطر الشقيقة. ويقول: “كانت البداية الفعلية لاستلام الموقع ووصول أولى المعدات في منتصف فبراير 2009، وعلى الفور شرعنا في تجهيز السكن والترتيبات اللوجستية بالإضافة إلى خدمات المياه والكهرباء والاتصالات، أعقبه تجهيز مختبر فني حديث ومتكامل مع ترتيبات إعداد الكسارات وخلاطة الإسفلت”. كنت استمع إليه بشغف، حين توقف فجأة بسبب كتل صخرية ضخمة، حالت دون مواصلة رحلتنا، وكان انفجار قد تسبب بها في اليوم السابق. لكننا تمكنا أخيرا من العبور، ووسط ضجيج الآلات المجنزرة، وصلنا إلى نقطة الكيلومتر 20، استقبلتنا سحب من الغبار الصاعدة من وسط ضجيج الكسارات الضخمة ومنصات خلاطة الإسفلت، حيث تراءت أمامنا تلال من أكوام الحجارة المطحونة والمعدّة لأعمال الردم والسفلتة وإعداد الجسور والعبارات، وعلى مسافة غير بعيدة تنتصب القرية الاستشارية، والتي تضم سكن الفريق الاستشاري بكامل التجهيزات اللائقة بالكهرباء على مدار الساعة وخدمات المياه مع أثاث مكتبي وثير، وكذا إدارة المختبر، حيث يعمل الفنيون على اختبار دقيق لمواد الرصف والدك والرش والإسفلت …الخ. 
بضع دقائق التقطها كبير المهندسين الاستشاريين في شركة “أرابتك جردانه”، الخبير الأردني المعروف بـ”أبو فراس” ليدون على طاولة مكتبه تقارير ومعلومات هندسية -كما فهمنا- في إطار مهامه اليومية الروتينية، وما إن فرغ من لملمة أوراقه حتى أصر على استضافتنا في مكتبه الخاص، وفيه حدثنا بلغة فيلسوف زاهد: إننا كـ”عرب” –للأسف- نرى العبرة في المظاهر والأشكال لا في الجوهر والمضمون. 
الكيلو 35 
تابعنا رحلتنا، وقبل أن نجتاز “الكامب الرئيسي للمشروع” كان لزاما علينا أن نسير تارة في وادٍ، وأخرى في أتون خط مسار الطريق الصخري، الذي يتم نحته في مقاطع جبلية متعرجة وصلبة في غالب الأحيان، بعرض يتراوح ما بين 13-18 متراً لنصل إلى الكيلو 35.6، إيذانا بتسلق عقبة “ساحب” البالغ طولها 5 كيلومترات، ومئات الأمتار من الجهتين التي تطل منها على بداية وادي حطاط الشهير، وفي التواءات العقبة ما تلبث أن تعاود الكرة مرغما لسماع ضجيج الآلات والمعدات التي يغشى أصحابها الخطر في بعض الأحيان، وقد حبست أنفاسي عند ما كُنا في قمة العقبة بعد أن ترجّلنا سيرا على الأقدام حين عمد سائق “التدركتر”، ويدعى (مجلي) إلى مناورة خطرة آخذاً في دفع كتل صخرية نحو هاوية سحيقة، سألنا الله اللطف، وعلمنا في اليوم التالي أن سائقاً لآلة “نقاب صخور”، قد فاجأته كتل صخرية أتت على “قمرة” الآلة، وهو بداخلها ليتم انتشاله وإسعافه إلى أحد مستشفيات عدن، وهذا يعني أن ثمة مخاطر تهدد حياة العاملين في هذا المشروع الحيوي، نسأل الله أن يحفظهم من أي مكروه. 
انحدرنا بالاتجاه الآخر للعقبة، وكان علينا أن نتوقف قليلاً في نقيل “ركب حطاط” (“العارضة”، تفصل وادي إمسدارة عن وادي حطاط) تم شقه بداية السبعينيات كطريق أولي للسيارات التي دخلت المنطقة لأول مرة، وبمرور مسار الطريق حالياً في ذلك النقيل يتطلب أعمالا ضخمة من الشق والتفجير بمواد ناسفة، بالإضافة إلى الأعمال الإنشائية. 
الكيلو 49 
قطعنا المسافة خلال وادي امسدارة لنبدأ من الكيلو 49 في تسلق نقيل فلاحة الممتد بطول 8 كيلومترات، والذي تم تنفيذ أعمال الشق فيه عام 72 بتوجيهات واهتمام خاص من الرئيس الراحل سالمين -رحمه الله- وكان علينا بعد إتمام فلاحة أن نرخي حبال الرحال في عاصمة المديرية “سرار” التي وصلناها بعد منتصف النهار، وهناك في جامعها أدينا صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم دعينا لتناول وجبة الغداء، وكان علينا بعد ذلك أن نلتقي جموعا من المواطنين الذين ارتسمت على محياهم علامات الفرح حين خاطبهم المهندس (أبو فراس)، مستعرضا سير أعمال التنفيذ، وما تم إنجازه، ومتطلبات المرحلة المقبلة للعمل، وهذا يعني أننا الآن، وفي “سرار” العاصمة عند نهاية الكيلو 56، وبإلحاح من رفقة الطريق (زين الشيبة والحاج أحمد)، كان علينا مواصلة السير وسط أكوام حجارة متلاطمة كـ”الأمواج”، تقذف بالسيارة هنا وهناك بغية الوصول إلى عاصمة مديرية رصد (تقع في نهاية الكيلو 76 تحديداً) التي من أشهر معالمها قلعة “القارة” الشهيرة، وهناك استقبلنا المسؤولون يتقدمهم أمين عام المجلس المحلي عادل سبعة، وجموع من المواطنين التقيناهم في مبنى حديث يتبع المجلس المحلي والسلطة المحلية، وبعد كلمة ترحيب من مدير الأشغال بالمديرية خاطبهم حكيمنا (أبو فراس) بالقول: “من حسن الطالع أن يصادف اليوم مرور عام على توقيع اتفاقية التنفيذ، ولقد راهن الكثير على أن الأمر سيتوقف عند المظاهر البروتوكولية، لكن هيهات فأعمال التنفيذ تسير وفق ما هو مخطط والآليات الآن وصلت إلى وادي حطاط (ساحب) ما يعني أن المشروع الحلم صار حقيقة، وإن شاء الله في غضون عام ستكون الآليات هنا في رصد”. 
وأضاف: “حقاَ، إن المعاناة شديدة، وهذا ما لمسناها، أريد التأكيد على أن الدعم المالي والفني ولله الحمد موجود، وما نطلبه منكم فقط التعاون وتوفير الأجواء والمناخات المناسبة لسير أعمال التنفيذ، وهذا ما نقرأوه في هذه الوجوه الخيِّرة والنيِّرة التي تستحق مشروعا كبيرا كهذا”. 
وأعقبه حديث المهندس عبد الجبار عباس، مدير عام المشروع، الذي قدّم شرحاً مفصلاً عن طبيعة التجهيزات الفنية وسير أعمال التنفيذ، منوهاً إلى أن مجموع المعدات الحالية يتراوح ما بين 40-50، بالإضافة إلى كسارتين وخلاطه إسفلت حديثة، وقبل أيام وصلت طلائع فرق الأعمال الإنشائية للجسور والعبّارات، ونحن نتطلّع إلى زيارة وزير الأشغال المهندس عمر الكرشمي، الذي يولي المشروع أهمية خاصة، وكذا الأشقاء القطريون -الجهة الممولة- وبالأخص سعادة سفير دولة قطر جاسم عبد العزيز البوعينين، والمهندس القطري حمودي، الذي وجدنا فيهم كل اهتمام ومتابعة لأعمال المشروع، وبعد حديث متبادل مع الحاضرين، أكثر ما لفت انتباهنا الأحاديث الطيّبة والمفعمة بالمشاعر الصادقة من المتحدثين، وبالأخص الشاب الخطيب ياسر، الذي أشار -من خلال حديثه- إلى أن الناس ظلوا يعدون العدّة الكبرى في وصول الطريق الحلم إليهم، وبما يعوِّلون عليه حال اكتمال التنفيذ من تغيير يشمل حياتهم، مؤكداً على استعداد الناس جميعاً على تقديم كافة أشكال المساعدة لانجاز الطريق، مثنياً على جهود العاملين والمهندسين والإداريين في المشروع، وكافة المخلصين والمتعاونين من المواطنين والأهالي. 
كان علينا أن نعد أنفسنا لرحلة العودة قبل أن يسدل الليل سدوله، لكن ليس عبر طريق القدوم -وذلك ليس عملا بسنة مخالفة الطريق يوم العيد- بل من اتجاه آخر عبر مسافة لا تتعدى 20 كيلومترا، لكنه الأصعب والأسوأ -على ما أظن- حتى إن مزية الدفع الرباعي في سيارتنا لم تشفع لنا مراراً من اجتياز بعض الحفر والمنحدرات في التواءات جبلية شبيهة بـ”الأفعى”. 
وإلى حين وصولنا خط الإسفلت في طريق “العسكرية -لعبوس، تنفسنا الصعداء وشرع المهندس (أبو فراس)، والمهندس حمود الثلايا، في الإكثار من الذكر الحكيم والشكر لله على تجاوز هذه المسافة الصعبة، ولم يلبث أن تمتم المهندس الاستشاري أبو فراس بالقول “الناس هنا أخذوا نصيبهم من العذاب بالكامل على وجه الدنيا، واسأل الله لهم الجنة”، تابعنا سيرنا حتى وصلنا إلى عدن، وثلاثتنا واصلنا العودة إلى جعار التي لم نصلها إلا في الواحدة والربْع بعد منتصف الليل. 
كلمه لا بُد منها: 
تقتضي الأمانة الصحفية، منّا الإشارة إلى أن وصول المشروع إلى هكذا حال من التجهيز والإعداد يعزى إلى جهود مخلصة ومثابرة، وإلى المهندس عمر الكرشمي الذي وعد وصدق وأبر بوعده، خلال زيارته بمعيّة وزير الصناعة والتجارة يومها وسفير اليمن بدولة الكويت الشقيقة حاليا الدكتور خالد راجح شيخ، وعضو مجلس الشورى شيخ يافع، الشيخ فضل محمد عيدروس، ومحافظ أبين السابق -حجة حاليا- المهندس فريد مجور. 
كما لا تفوتنا الإشارة إلى جهود نائب مدير عام المؤسسة العامة للطرق والجسور المهندس أحمد الهيصمي، ومدير عام المشاريع بالمؤسسة عبد الله راصع. 
المشروع في سطور 
– يوم السبت 12 أكتوبر 2008، تم في صنعاء، وفي مبنى وزارة الأشغال العامة والطرق توقيع عقد تنفيذ مشروع طريق باتيس – رصد – معربان بمحافظتي أبين ولحج بطول 96 كيلومتراً وبكلفة تبلغ 42 مليون دولار بتمويل من دولة قطر الشقيقة. 
– وقع العقد وزير الأشغال العامة والطرق، رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للطرق والجسور- المنفذة للمشروع، المهندس عمر الكرشمي، وعن دولة قطر السفير القطري بصنعاء جاسم بن عبد العزيز البوعينين. 
– يأتي المشروع في إطار مشاريع الطرق التي تموّلها دولة قطر الشقيقة بموجب المنحة المقدّمة لليمن بتكلفة 90 مليون دولار، التي تعهدت بها قطر خلال مؤتمر المانحين في باريس في منتصف أكتوبر من العام 2002. 
ويعد مشروع طريق باتيس – رصد – معربان من أبرز المشاريع الحيوية الهامة, حيث يخدم مناطق ذات كثافة سكانية عالية, ويقدّر عدد المستفيدين منه بنحو 500 ألف نسمة في ثماني مديريات تتبع المحافظتين, إلى جانب خدمة المشروع لمصنعي الأسمنت في باتيس بمحافظة أبين الذي يجري الإعداد لإنشائهما من قبل مستثمرين يمنيين وسعوديين, كما يخدم المناطق الزراعية والسياحية في كلا المحافظتين. 
– وفقا للعقد فإن فترة تنفيذ المشروع تستغرق 36 شهرا, ويشرف على تنفيذه شركة “أرابتك جردانة” العالمية, ويتكون المشروع من طريق إسفلت بعرض 7 أمتار وبسماكة 5 سنتيمترات أسفلت وأكتاف تتراوح بين 1-1.5 متر, بالإضافة إلى الأعمال الإنشائية وأعمال الحماية ومنشآت تصريف المياه. 
– الجدير بالذكر أن توقيع العقد لتنفيذ المشروع يأتي في إطار التعاون المشترك والعلاقات الأخوية الوطيدة بين البلدين والشعبين الشقيقين, وتجسيدا لثوابت العلاقات الثنائية المتميزة التي أرست دعائمها القيادة السياسية للبلدين ممثلة بفخامة الرئيس علي عبدالله صالح -رئيس الجمهورية- وأخيه صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -أمير دولة قطر.
 
 
* سبأ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock